تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب
وَصَف أنَّ الدَهَر يَعُمُّ بنوائبِهِ الصَديقَ والعَدُوَّ، والقَريبَ والبَعيدَ. وقوله: (أو أخي ثقَةٍ) أَيْ: من صَديقٍ أو حَميمٍ يُوثَقُ به في الشِدَّةِ.
وأنشد في البابِ للشَمّاخِ (٤٤٩):
[١٧٣] أَمِنْ دِمْنَتَينِ عَرَّسَ الرَكْبُ فيهما … بحَقْلِ الرُخَامَى قَدْ عَفا طَللاهُما
أَقَامَتْ على رَبْعَيْهما جارَتَا صَفًا … كُمَيْتا الأعالي جَوْنَتَا مُصْطَلاهُما
الشاهدُ في قوله: (جَوْنَتا مصطلاهما)، فجَوْنَتا بمنزلة حَسَنَتا، ومصطلاهما بمنزلة وجُوهِهِما، والضَميرُ الذي في مصطلاهما يَعودُ إلى قوله: (جارَتَا صَفًا) وَهُما الأُثْفِيَّتان، والصَفا: الجَبَلُ وهو الثالثُ لهما (٤٥٠). وقوله: (كُمَيْتا الأَعالي) يعني أنّ الأعالي من الأُثفيتين لم تَسْوَدَّ لبُعْدِهما عن مباشَرَةِ النار فهي على لونِ الجَبَلِ، جَوْنتا مُصْطَلاهما يعني مُسْوَدَّتا المُصْطَلى وهو موضعُ الوَقُودِ منهما.
وأَنكَر بعضَ النحوييِّن (٤٥١) هذا على سيبويه وزَعَمَ (٤٥٢) أنّ الضمير من (مُصْطلاهما) عائدٌ على الأعالي لا على الجارتَينِ فكأنّه قال: كُمَيْتا الأعالي جَوْنَتا مُصْطلى الأعالي كما تقول: حَسَنتا الغُلام جَميلَتا وَجْهِهِ أي: وَجْهِ الغُلامِ، وهذا جائزٌ بإجماعٍ، وجَعَل الضَميرَ في مُصْطلاهما وهو مُثَنّى عائدًا على الأعالي وهي جَمعٌ لأنّها في معنى الأعلَيّين، فَرَدَّه على المعنى.
والصَحيحُ قَولُ سيبويه، لأنّ الشاعِرَ لم يُرِدْ أنْ يُقَسّمَ الأعالي فيجعل بَعضَها كُمَيْتًا وبَعضَها جَوْنًا مُسْوَدًّا، وإنَّما قَسَّمَ الّأثْفيَّتين فجَعَلَ أعلاهما كُميْتًا لِبُعْدِهِ عن النارِ وأسفَلَهما جَوْنًا لمُباشَرَتِهِ النارَ، وقد بَيَّنْتُ صِحَّةَ مذهَبِهِ واختِلال مذهبِ مَنْ خالَفَهُ < في هذا > في كتاب "النكت" (٤٥٣).