تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب
ويدلّ على هذا قولُهُ بعدَه (٧٢):
لَمْ تَدْرِ بُصْرَى بما آليتَ من قَسَمٍ
وكانَ قد أقسَمَ ألّا يَطْعَمَ المُتَلَمِّسُ حَبُّ العراقِ لمّا خافَهُ على نَفْسِه وفَرَّ إلى الشام ومَدَحَ مُلوكَها، فقال له المتلَمِّسُ مستَهْزِئًا: آليْتَ على حَبِّ العِراقِ لا أَطعَمُهُ، وقد أَمكنَني منهُ بالشامِ ما يُغْنِي عَمّا عندك، وأشارَ إلى كثرةِ ما هناك منه بما ذَكَر مِن أَكْلِ السُوسِ له، وأرادَ بالقريةِ الشامَ، وبالحَبِّ البُرَّ.
وأنشد في الباب للفرزدق (٧٣):
[٢٤] مِنّا الذي اختِيرَ الرِجالَ سَمَاحَةً … وجُودًا إذا هَبَّ الرِياحُ الزَعازعُ
أرادَ اختِيرَ منَ الرِجالِ، فحَذَفَ وعَدّى على ما تَقَدّمَ.
وَصَفَ قومَهُ بالجُودِ والكَرَمِ عندَ اشتدِادِ الزَمانِ وهُبوبِ الرياحِ الشديدة وهي الزَعازعُ، واحدتُها زَعْزاعٌ وزَعْزَعٌ وزُعْزُوعٌ، وإنّما أرادَ زَمَنَ الشتاءِ ووَقْتَ الجَدْبِ.
وأنشد في الباب له أيضًا (٧٤):
[٢٥] نُبِّئتُ عبدَ اللهِ بالجَوِّ أصبَحَتْ … كِرامًا مَوالِيها لَئيمًا ضَمِيمُها
أرادَ نُبِّئتُ عن عبدِ اللهِ على مذهَبِ سيبويه لأنّ نُبِّئْتُ بمعني خُبِّرْتُ، وخُبِّرْتُ يَتَعدّى بـ (عَنْ) ولا يُسْتَغنى عنها إلّا أنْ تُحْذَفَ اتِّساعًا.
وقد خُولِفَ (٧٥) سيبويه في هذا وجُعِلَ تَعَدِّي (نُبِّئْتُ) [بذاتها] كتَعَدّي (أُعْلِمْتُ)، لأنّها قد خَرجَتْ إلى معناها وإنْ كانَ أصلُها الخَبَرَ، وكلا المذهبينِ