Skip to content

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Printed page ١٠/ ٥٦

كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١) وما يأتي من حديث أنس ﵁، وسبب ذلك أنه ورد أحاديث أخرى من السنّة الفعلية معارضة في ظاهرها لهذا النهي، ومنها حديث ابن عباس ﵄ قال: (شرب النبي ﷺ قائمًا من زمزم) (٢). وعن النزال بن سَبْرة قال: أُتي عليٌّ ﵁ على باب الرحبة (٣) بماء، فشرب قائمًا، فقال: (إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت) (٤). ومفاد ذلك جواز الشرب قائمًا، وهذا من تعارض القول والفعل عند الأصوليين.

فمن أهل العلم من ذهب إلى النسخ، وأن أحاديث جواز الشرب قائمًا ناسخة لأحاديث النهي، بقرينة عمل بعض الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم (٥) ﵃ وكذا من جاء بعدهم من التابعين بالجواز، وهذا رأي الأثرم وابن شاهين، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز متمسكًا بأن الجواز على البراءة الأصلية، وأحاديث النهي ناقلة عن البراءة مقررة لحكم الشرع (٦)، وهذا مسلك ضعيف، فإن النسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع ولو ثبت التاريخ، ولهذا عدَّ النووي القول بالنسخ غلطًا فاحشًا (٧).

وذهب آخرون إلى أن أحاديث الجواز خاصة بالنبي ﷺ؛ لأنها فعل، وأحاديث النهي عامة للأمة؛ لأنها قول، وهذا مسلك ضعيف أيضًا؛ لأن فعل علي ﵁ ينفي الخصوصية.