Skip to content

منحة العلام في شرح بلوغ المرام حكم شراء السلعة بثمن مؤجل

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Printed page ٦/ ٢٦٢

يحترمهم ولا يبالي بهم؛ لكفره وضلاله، فإن هذا اليهودي امتنع من البيع بثمن مؤجل على النبي ﷺ، وهو يعلم أن النبي ﷺ من أوفى الناس وأكرم الناس، ولكن الحقد الذي ملأ قلبه جعله يعامل النبي ﷺ هذه المعاملة الجافية، ويقول هذه المقالة السيئة.

° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز معاملة الكفار والشراء منهم والبيع عليهم وغير ذلك من التصرفات، وأن هذا لا يعتبر من موالاتهم ولا الركون إليهم، وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعًا من حديد" (١). قال الصنعاني: (وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه ﷺ وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام النبي ﷺ بالمدينة عشرًا يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب، وينزلون أسواقهم كسوق بني قينقاع وغيره) (٢).

° الوجه السادس: حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وتحمُّله، وأنه لم يعاتب هذا اليهودي بل أعرض عنه امتثالًا لما أدبه ربه جل وعلا به في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقد دلَّ ذلك على أن الناس أحرار في بيعهم وشرائهم ما داموا متقيدين بأحكام الشرع، وأنهم إذا اعتذروا عن البيع سواء كان معجلًا أو مؤجلًا فلا حرج، إلا إن وجد أسباب تقتضي إلزام من امتنع، مثل حالة الاحتكار وحاجة الناس إلى ما عند التجار فإنهم يلزمون بالبيع.

ومن الناس من يجد في نفسه شيئًا على بعض إخوانه ممن امتنع أن يبيع عليه إلى أجل، وهذا البائع قد لا يرى البيع عليه إما لأنه يتهمه بأنه مماطل، أو أنه يُعرف بذلك، أو لأسباب أخرى، فإذا امتنع من البيع عليه أمكن وجود ذلك عند غيره، ولا حاجة إلى المعاتبة، ففي فعله ﷺ أسوة صالحة، والله تعالى أعلم.