Skip to content

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Printed page ٢/ ٢٣٧

وإنما لم يؤذن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون لانشغالهم بأمور المسلمين ومصالحهم، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن يمان بن قيس قال: قال عمر ﵁: (لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفَى لأذَّنت) (١).

قال القرطبي: (اعلم أن الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، وذلك أنه ﵊ بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثم ثنَّى بالتوحيد، ثم ثلَّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته، ثم ضمن ذلك بالفلاح، وهو البقاء الدائم، فأشعر بأن ثمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيداً) (٢).

وقد شُرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، على القول الراجح، على رأس تسعة أشهر من مقدم النبي ﷺ المدينة.

وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع في مكة قبل الهجرة، ولكنها معلولة لا يصح منها شيء، ولذا قال عنها الحافظ: (والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد) (٣).

والأظهر من أقوال أهل العلم أن الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال المقيمين والمسافرين، فإذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين، وقد أمر النبي ﷺ به مالك بن الحويرث وأصحابهرضي الله عنهم فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وهم وافدون على النبي ﷺ، مسافرون إلى أهليهم، وسيأتي إن شاء الله.

وقد داوم النبي ﷺ على الأذان هو وخلفاؤه وأصحابه حضراً وسفراً، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومته على فعله دليل على وجوبه، ولأنه من