مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي
وَذكر ذَلِك أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل من الْبدع الْمُخَالفَة للسّنة وَالْإِجْمَاع وزيارة قبَاء لَيْسَ فِيهِ شدّ رَحل
وَحمل حَدِيث لَا تشد الرّحال على نفي الِاسْتِحْبَاب فِيهِ تَسْلِيم أَن السّفر لَيْسَ بِعَمَل صَالح وَلَا قربَة وَلَا طَاعَة وَلَا من الْحَسَنَات فَمن اعْتقد كَونه قربَة فقد خَالف الْإِجْمَاع وَلَا يُسَافر أحد إِلَيْهَا إِلَّا لذَلِك وَأما لَو قدر أَن الرجل سَافر إِلَيْهَا لغَرَض مُبَاح فَهَذَا جَائِز لَيْسَ هَذَا من هَذَا الْبَاب وَالنَّفْي يَقْتَضِي النَّهْي وَالنَّهْي للتَّحْرِيم وَمَا ذكر من الْأَحَادِيث فِي زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء فضعيفة بالِاتِّفَاقِ بل مَالك إِمَام الْمَدِينَة كره أَن يَقُول الرجل زرت قبر النَّبِي ﷺ وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عبيدا وصلوا عَليّ حَيْثُمَا كُنْتُم وَقَالَ لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُورهم أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم مَسَاجِد يحذر مَا فعلوا قَالَ عَائِشَة ﵂ وَلَوْلَا ذَلِك لأبرز قَبره وَلَكِن كره أَن يتَّخذ مَسْجِدا
وَلما كَانَت حجرَة عَائِشَة الَّتِي دفن فِيهَا الرَّسُول ﷺ مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد إِلَى زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك لم يكن أحد من الصَّحَابَة يدْخل إِلَيْهَا لَا لصَلَاة وَلَا لدعاء وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي الْمَسْجِد وَكَانُوا إِذا سلمُوا عَلَيْهِ أَو أَرَادوا الدُّعَاء استقبلوا الْقبْلَة وَهَذَا كُله مُحَافظَة مِنْهُم على التَّوْحِيد فَإِن من أعظم أَسبَاب الشّرك بِاللَّه اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد كَمَا ذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا﴾ أَنهم كَانُوا قوما صالحين فِي قوم نوح فَلَمَّا مَاتُوا عكفوا على قُبُورهم ثمَّ صوروا على صورهم تماثيل ثمَّ طَال عَلَيْهِم الأمد فعبدوها ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيح أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك وَالله أعلم