Skip to content

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ٣٩٦

فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، كل هذا لأجل أن يتفرغ الإنسان قلبًا وقالبًا لما هو متلبس به من النسك.

وأما حرم مكة فظاهر أيضًا أن في الآية دليلًا على تعظيمه وحرمته؛ لأن الحرم آمن كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال ﷿: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣]، هذا البلد آمِن فيه الآدميون والحيوان والأشجار؛ ولذلك يحرم صيده ويحرم قطع شجره إلا الميت ويحرم القتال فيه، كما قال ﷿: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١].

ولأن النبي ﷺ أعلن عام فتح مكة أنه لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، وأجاب ﵊ عن كونه استحلها بأنها إنما أحلت له ساعة من نهار (١)؛ لأن إحلالها يتضمن مصلحة كبرى أعظم من انتهاك حرمتها في تلك الساعة؛ ولأنه يؤدي إلى احترامها؛ لأن هناك فرقًا بين أن تكون بلاد كفر أو بلاد إسلام، ولا طريق لكونها بلاد إسلام في ذلك الوقت إلا بالقتال، فالقتال أحل للضرورة؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" (٢)،