Skip to content

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ١٨٨

حينئذٍ يسوغ لنا أو ينبغي لنا أن نتكلم على "أن"، فـ "أن" إذا كان ما قبلها عِلْمًا فإنه يجب الرفع، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليسس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلًا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ حركة اللام؟ ألا يجادلَ فيتعين النصب، وإذا كان ظنًّا تقول: علمت ألا يكونُ كذا، وتكون "أن" المخففة من الثقيلة، فإذا كان ظنًّا جاز فيها الوجهان.

في الآية الكريمة: ﴿وَحَسِبُوا﴾ أي: ظنوا، ولذلك جاز الوجهان؛ النصب والرفع، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا وهو التكذيب والقتل ألا تكون فتنة، أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، أو بعذاب يعاقبون به، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فاستمروا في طغيانهم، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفع بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فصار بنو إسرائيل:

أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم ولكن البعض، عموا وصموا كثير منهم، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل.