حدائق الأولياء
وثالثًا: مُشعر بالقرب، أو وصول الأثر، يؤذن بالوصول والظفر.
ولذلك استشرق الكليم لما كلَّم ربه، وذاق لذة التكليم، فلم يُقر قراره حتى قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١).
ها أنا قد مددت يدي إليك والكلام مذكر بالمتكلم وبه يتجلى المحاسن فيخرون إذ ذاك للأذقان يبكون من الخشية والاشتياق إليه، ويتضرعون.
وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾ (٢).
فالغافل عن البكاء مذموم سماعه واستمرار سموده هو غاية لمرامه.
فاللهو المنافي للخشوع عن الشوق والمهابة والخضوع مناف للإقبال على المطلوب مؤذن بعدم الإقبال على المحبوب، فليس سواء عالم وجهول.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود (٣) قال: قال لي النبي ﷺ: "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك وعليك أنزل؟.
قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (٤)، قال: "حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تهملان بالدموع" (٥).
فيه القراءة على أكبر أكابر الأولياء، وذرف المدامع.
وروينا فيهما أيضًا من حديث أنس قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطبة ما سمعت