الرابعة: حكي أن بشرًا كان في زمن لهوه في دار، وعنده ندماء يطيبون، فاجتاز منهم رجل صالح فدق الباب، فخرجت إليه جارية، فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ قالت: بل حر قال: صدقت؛ لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية، وترك اللهو والطرب، فسمع بشر (١) محاورته لها، فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا، وقد ولى الرجل، فقال لها: ويحك من كلمك، فأخبرته بما قال، فتبعه بشر حتى لحقه، وقال له: يا سيدي أعد على كلامك، فأعاده، فمرغ بشر خده في الأرض، وقال: بل عبد، عبد، عبد، ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرف بالحافي، فقيل له: لم لا تلبس نعلين؟ فقال: لأني ما صالحت مولاي إلا وأنا حاف، فلا أزال عليها حتى أموت، وحكي عنه أنه سئل عن بدء أمره، وشهرة اسمه بين الناس فقال: هذا من فضل اللَّه، كنت رجلًا عبارًا صاحب عصبية، فوجدت قرطاسًا في الطريق فرفعته، فإذا فيه البسملة، فمسحته وجعلته في جيبي، وكان عندي درهمان لا أملك غيرهما، فشريت بهما غالية، وطيبت بها القرطاس، فرأيت في المنام تلك الليلة كأن قائلًا يقول: يا بشر لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة: (٢)