بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
(المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشُّرُوطِ:
اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَرْتِيبِ أَفْعَالِ الوُضُوءِ عَلَى نَسَقِ الآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ سُنَّةٌ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ المُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنِ المَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَدَاوُدُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ فَرِيضَةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ).
إذا أُطْلِقَ (أَبُو عُبَيْدٍ) في كُتُب الفقه، فإنما يُرادُ به (أبو عبيد القاسم بن سلام) (١).
(وَهَذَا كُلُّهُ فِي تَرْتِيبِ المَفْرُوضِ مَعَ المَفْرُوض، وَأَمَّا تَرْتِيبُ الأَفْعَالِ المَفْرُوضَةِ مَعَ الأَفْعَالِ المَسْنُونَةِ، فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ سُنَّةٌ .. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي وَاوِ العَطْفِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُعْطَفُ بِهَا الأَشْيَاءُ المُرَتَّبَةُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ يُعْطَفُ بِهَا غَيْرُ المُرَتَّبَةِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنِ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِ العَرَبِ، وَلِذَلِكَ انْقَسَمَ النَّحْويُّونَ فِيهَا قِسْمَيْنِ (٢)، فَقَالَ نُحَاةُ البَصْرَةِ: لَيْسَ تَقْتَضِي نَسَقًا، وَلَا تَرْتِيبًا، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الجَمْعَ فَقَطْ. وَقَالَ الكُوفِيُّونَ: بَلْ تَقْتَضِي النَّسَقَ وَالتَّرْتِيبَ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الوَاوَ فِي آيَةِ الوُضُوءِ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ قَالَ بِإِيجَابِ التَّرْتِيبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، لَمْ يَقُلْ بِإِيجَابِهِ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي أَفْعَالِهِ عَلَيْهِ