تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ؛﴾ قيل:
إنّهم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلمّا نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فلمّا كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد) (١).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق ﴿(لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ)﴾ أي لا ينهزمون ولا يولّون العدوّ ظهورهم. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ (١٥)؛أي مطالبا مسئولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أنّ الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ؛﴾ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٦)؛أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتّعوا إلاّ قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين.
والمعنى: لا تمتّعون بعد الفرار في الدّنيا إلاّ مدّة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أنّ ما قدّره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ؛﴾ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً؛﴾ أي هلاكا وهزيمة، ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً؛﴾ أي خيرا وهو النصر. وهذا كلّه أمر للنبيّ ﷺ أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى:
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧).
قوله تعالى: ﴿*قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا؛﴾ قال المفسّرون: هؤلاء قوم من المنافقين، كانوا يبطئون المجاهدين ويمنعونهم عن الجهاد. يقال: عاق يعوق؛ إذا منع، وعوّق إذا اعتاد المنع، وعوّقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده.