المغني لابن قدامة - ت التركي
فصل:
فإنْ دَعاه رَجُلانِ، ولم يُمْكِن الجمعُ بينهما، وسبَقَ أحدُهُما، أجاب السَّابقَ؛ لأنَّ إجابتَه وجَبتْ حينَ دعاه، فلم يزُلِ الوُجوبُ بدُعاءِ الثَّانى، ولم تجبْ إجابةُ الثَّانى؛ لأنَّها غيرُ مُمْكِنَةٍ مع إجابةِ الأوَّلِ، فإن اسْتَوَيا، أجاب أقْرَبَهما منه بابًا؛ لما رَوى أبو داودَ (١٠)، بإسنادِه عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا؛ فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِى سَبَقَ". ورَوَى البخارِىُّ (١١) يإسْنادِه عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ لى جارَيْنِ، فإلى أيِّهِمَا أُهْدِى؟ قال: "أَقْرَبُهُمَا مِنْكِ بَابًا". ولأنَّ هذا مِن أبوابِ البِرِّ؛ فقُدِّمَ بهذه المعانى، [فإن اسْتَوَيا، أجابَ أقربَهُمَا رَحِمًا؛ لما فِيه مِن صِلَةِ الرَّحِمِ] (١٢)، فإنِ اسْتوَيا، أجاب أدْيَنهما، فإنِ اسْتَوَيا أقْرَعَ بينهما؛ لأنَّ القُرْعةَ تُعَيِّنُ المستحِقَّ عندَ اسْتِوَاءِ الحُقوقِ.
١٢١٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ)
وجملةُ ذلك أَنَّ الواجبَ الإِجابةُ إلى الدَّعوةِ؛ لأنَّها الذى أمَرَ به، وتوعَّدَ على تركِه، أمَّا الأَكْلُ فغيرُ واجبٍ، صائمًا كان أو مُفْطِرًا. نصَّ عليه أحمدُ. لكنْ إنْ كان المدعوُّ صائمًا صَوْمًا واجبًا أجاب، ولم يُفطِرْ؛ لأَنَّ الفِطْرَ غيرُ جائزٍ؛ فإِنَّ الصَّومَ واجبٌ، والأكلَ غيرُ واجبٍ، وقد رَوَى أبو هُرَيْرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دُعِىَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفطِرًا فَلْيَطْعَمْ". رواه أبو داودَ (١)، وفى روايةٍ "فَلْيُصَلِّ". يعنى: يَدْعُو. ودُعِىَ ابنُ عمرَ إلى وليمةٍ، فحضَرَ ومدَّ يدَه