المغني لابن قدامة - ت التركي
ابْتداءً، ثَبَتَ ذلك، سَواءٌ صدَّقَهما [المشْهودُ بعِتْقِه، أو لم يُصَدِّقْهما] (١٩). وبهذا قال الشَّافعىُّ. وبه قال أبو حنيفةَ فى الأَمَةِ. وقال فى العبدِ: لا يَثْبُتُ، ما لم يُصدِّقِ العبدُ به، ويَدَّعِيه؛ لأنَّ العِتْقَ حقُّه، فأشْبَهَ سائرَ حُقوقِه. ولَنا، أنَّها شَهادةٌ بعِتْقٍ، فلا تَفْتقِرُ إلى تَقدُّمِ (٢٠) الدَّعْوَى، كعِتْقِ الأَمَةِ، ويُخالِفُ سائرَ الحُقوقِ؛ لأنَّه حقٌّ للَّهِ تعالى، ولهذا لا يَفْتقرُ إلى قَبولِ العِتْقِ (٢١). ودليلُ ذلك الأمَةُ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بعِتْقِ الأَمَةِ. فإن قال (٢٢): الأمَةُ يتعلَّقُ بإعْتاقِها تَحْريمُ الوَطْءِ. قُلْنا: هذا لا أثرَ له، فإِنَّ البَيْعَ (٢٣) يُوجِبُ تحْريمَها عليه، ولا تُسْمَعُ الشَّهادةُ به (٢٤) إِلَّا بعدَ الدَّعْوَى.
فصل:
ومَن كانت عندَه شهادةٌ (٢٥) لآدَمِىٍّ، لم يَخْلُ؛ إمَّا أن يكونَ عالمًا بها، أو غيرَ عالمٍ، فإن كان عالمًا بها، لم يَجُزْ للشَّاهدِ أداؤُها حتى يَسْأَلَه ذلك؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنهُمْ، ثُمَّ يَأْتِى قَوْم يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ". روَاه البُخارِىُّ (٢٦). ولأنَّ أداءَها حقٌّ للمَشْهودِ له، فلا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِرِضاهُ كسائرِ حُقوقِه. وإن كان المشهودُ له غيرَ عالمٍ بها، جازَ للشاهدِ أداؤُها قبلَ طَلَبِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَلَا أنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِى يأْتِى بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا". روَاه مُسلمٌ، وأبو داودَ، ومالِكٌ (٢٧).