المغني لابن قدامة - ت التركي
تعالى حَرَّمَ المَوْقُوذَةَ، وهذا كذلك، وهذا يَخُصُّ ما ذكرُوه، وقولُ النبىِّ ﷺ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (٤٨)، فَكُلْ" (٤٩). يَدُلُّ على أنَّه لا يُباحُ ما لَمْ يُنْهِرِ الدَّمَ. الشرطُ السابعُ، أَنْ يُرْسِلَهُ على صَيْدٍ، فإنْ أرْسَلَه وهو لا يَرَى شيئًا، ولا يُحِسُّ به، فأصابَ صَيْدًا، لم يُبَحْ. وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلْه على الصَّيدِ، وإنَّما اسْتَرْسَلَ بنفْسِه. وهكذا إنْ رَمَى سَهْمًا إلى غَرَضٍ، فأصابَ صَيْدًا، أو رَمَى به إلى فوقِ رَأْسِه فوقَعَ على صَيْدٍ فقَتَلَه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ برَمْيِه عَيْنًا، فأشْبَهَ مَنْ نصَبَ سِكِّينًا، فانْذَبَحَت بها شاةٌ.
فصل:
وكُلُّ ما يَقْبَلُ التَّعْليمَ، ويُمْكِنُ الاصْطِيادُ به من سباعِ البهائِمِ، كالفَهْدِ، أو جَوارِح الطَّيْرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الكَلْبِ فى إباحَةِ صَيْدِه. قال ابنُ عبّاسٍ، فى قولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: هى الكلابُ المُعَلَّمةُ، كلُّ طير تَعلَّمَ الصَّيْدِ، والفُهُودُ والصُّقُورُ وأشباهُها. وبمعنى هذا قال طاوُسٌ، ويحمى بن أبى كَثِيرٍ، والحَسَنُ، ومالِكُ، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحَسَنِ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن ابن عمرَ، ومُجاهِدٍ، أنَّه لا يجوزُ الصَّيْدُ إلَّا بالكَلْبِ؛ لقَولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يعنى كَلَّبْتُم من الكلابِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عدِىٍّ، قال: سَأَلْتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن صَيْدِ البَازِىِّ؛ فقال: "إذا أُمسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ" (٥٠). ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ