المغني لابن قدامة - ت التركي
أقَرَّ أرْبَعًا في مجلسٍ واحدٍ. وقد ذكَرْنَا الحديثَ، ولأنَّه إحْدَى حُجَّتَىِ الزِّنَى، فاكتُفِىَ به في مجلسٍ واحدٍ، كالبَيِّنَةِ.
فصل:
يُعْتَبَرُ في صِحَّةِ الإِقرارِ أن يَذْكُرَ حقيقةَ الفعل، لِتزولَ الشُبْهَةُ؛ لأنَّ الزِّنَى يُعَبِّرُ عمَّا ليسَ بموجِبٍ للِحَدِّ. وقد روَى ابنُ عباسٍ؛ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لماعزٍ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ، أو نَظَرْتَ". قال: لا. قال: "أَفَنِكْتَهَا". لا يَكْنِى. قال: نعم. قال: فعبدَ ذلك أمرَ بِرَجْمِه. روَاه البُخَارِىُّ (٧). وفي رِوَايةٍ عن أبي هُرَيْرةَ، قال: "أَفَنِكْتَها؟ ". قال: نعم [قال]: "حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ فِي ذَاكَ مِنْها؟ ". قال: نعم. قال: "كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ فِي البِئْرِ". قال: نعم. قال: "فَهَلْ تَدرِى مَا الزِّنَى؟ ". قال: نعم، أتيتُ منها حَرَامًا ما يأْتِى الرجلُ من امرأتِه حَلالًا. وذكَر الحديثَ. روَاه أبو داودَ (٨).
فصل: فإن أقرَّ أنَّه زَنَى بامرأةٍ فكذَّبَتْه، فعليه الحَدُّ دُونَها. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّا صَدَّقْناها في إنْكارِها، فصارَ مَحْكومًا بِكَذِبِه. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (٩)، بإسْنادِه عن سَهلِ بن سعدٍ السَّاعِدِيِّ (١٠)، عن النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ رجلًا أتاه، فأقرَّ عندَه أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فسمَّاها له، فبعثَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى المرأةِ، فسألَها عن ذلك، فأنكَرَتْ أن تكونَ زَنَتْ، فجلدَه الحَدَّ وتَرَكَهَا. ولأنَّ انْتفاءَ ثُبوتِه في حَقِّها لا يُبْطِلُ إقْرارَهُ، كما لو سكتَتْ، أو كما لو لم يُسْأَلْ، ولأنَّ عمومَ الْخَبرِ يَقْتَضِى وُجوبَ الحَدِّ عليه (١١) باعْترافِه، وهو قولُ عمرَ: إذا كان الحَبَلُ أو