Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ١/ ٢٠٣

الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١). وفى كتابِ النبيِّ ﷺ لِعَمْرِو بن حَزْم (٢) "أن لا يَمَسَّ القرآنَ إلا طاهِرٌ (٣) ". وهو كتابٌ مشهورٌ، رَوَاه أبُو عبيد في "فضائلِ القرآنِ" وغيرِه، ورَوَاه الأَثْرَمُ، فأمَّا الآية التي كَتَب بها النبيُّ ﷺ فإنَّما قَصَدَ بها المُرَاسَلَة، والآيةُ في الرِّسالةِ أو كتابِ فِقْهٍ أو نَحْوِه لا تَمْنَع مَسَّهُ، ولا يَصِيرُ الكتابُ بها مُصْحَفًا، ولا تَثْبُتُ له حُرْمَتُه، إذا ثَبَت هذا فإنَّه لا يَجُوزُ له مَسُّه بشيءٍ من جَسَدِه، لأنَّه مِنْ جَسَدِه، فأشْبَهَ يَدَه. وقَوْلُهم: إن المَسَّ إنَّمَا يَخْتَصُّ بباطِنِ اليَدِ؛ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ كُلَّ شيءٍ لَاقَى شَيْئًا فقد مَسَّهُ.

فصل:

ويَجُوزُ حَمْلُه بِعِلَاقَتِهِ. وهذا قولُ أبى حَنِيفة، ورُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، وعَطَاء، وطَاوُس، والشَّعْبِىِّ، والقاسِمِ، وأبِى وائِلٍ (٤)، والحَكَم، وحَمَّاد، ومَنَع منه الأَوْزَاعِىُّ، ومالِك، والشّافِعِىُّ، قال مالِك: أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنه لا يَحْمِلُ المُصْحَفَ بِعِلَاقَتِه ولا في غِلَافِهِ إلَّا وهو طاهِرٌ؛ وليس ذلك لأنَّه يُدَنِّسه، ولكن تَعْظِيمًا للقُرآنِ. واحْتَجُّوا بأنّه مُكلَّفٌ مُحْدِثٌ قاصدٌ لِحَمْلِ المُصْحَفِ، فلم يَجُزْ, كما لو حَمَلَه مع مَسِّهِ. ولنا: أنَّه غيرُ مَاسٍّ له، فلم يُمْنَعْ منه، كما لَوْ حَمَلَه في رَحْلِهِ، ولأنَّ النَّهْىَ إنَّما يتناوَلُ المَسّ، والحَمْلُ ليس بِمَسٍّ، فلم يتناوَلْه النَّهْىُ، وقِياسُهم فاسِدٌ؛ فإنَّ العِلَّةَ في الأصْلِ مَسُّهُ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ في الفَرْعِ، والحَمْلُ لا أثرَ له، فلا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ به. وعلَى هذا لو حَمَلَه بِعِلَاقةٍ أو بحائِلٍ بينَه وبينَه مِمَّا لا يَتْبَعُه في البَيْعِ، جازَ؛ لما ذَكَرْنا. وعِندَهم لا يَجُوزُ. ووَجْهُ المَذْهَبَيْن ما تَقَدَّم.