المغني لابن قدامة - ت التركي
رِوَايَتَيْنِ. وهذا يَنْبَنِى على اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ في الواجِبِ، هل يُسَمَّى فَرْضًا أوْ لا؟ والصَّحِيحُ: أنَّه يُسَمَّى فَرْضًا، فيُسَمَّيانِ ههُنا فَرْضًا، واللهُ أعْلَمُ.
٢٧ - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ ويُدْخِلُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ)
لا خِلَافَ بين عُلَماءِ الأُمَّةِ في وُجُوبِ غَسْلِ اليَدَيْنِ في الطَّهارةِ، وقد نَصَّ اللهُ تَعالَى عليه بقَوْلِه سُبْحانَهُ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١). وأَكْثَرُ العُلماءِ علَى أنه يَجِبُ إدْخالُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ، منهم عطاء، ومَالِك، والشافِعِىُّ، وإسْحاق، وأَصحابُ الرَّأْىِ. وقال بعضُ أصْحابِ مالِك، وابنُ داود: لا يَجِبُ. وحُكِىَ ذلك عن زُفَرَ؛ لأنَّ اللهَ تعَالَى أمَرَ بالغَسْلِ إليهما، وجَعَلَهُما غَايَتَه بحَرْفِ ﴿إِلَى﴾، وهو لِانْتِهاءِ الغايةِ، فلا يَدْخُلُ المَذْكُورُ بعدَه، كقَوْلِه تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). ولنا ما رَوَى جابِرٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ إلى مِرْفَقَيْه (٣). وهذا بَيَانٌ للغَسْلِ المَأْمُورِ به في الآية، فإنَّ "إلى" تُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى مَعَ، قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٤). أي مع قُوَّتِكُم، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٥)، و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٦). فكانَ فِعْلُه مُبَيِّنًا. وقَوْلُهُم: إنَّ "إلى" للغَايةِ. قُلْنَا: وقد تَكُونُ بمَعْنَى "مع"، قال المُبَرِّدُ (٧): إذا كان الحَدُّ مِنْ جِنْسِ المَحْدُودِ دَخَلَ فيه، كَقَوْلِهم: بِعْتُ هذا الثَّوْبَ مِن هذا الطَّرْفِ