لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأْتِى قُبَاءَ رَاكِبًا ومَاشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: "زُورُوها تُذَكِّرْكُم الآخِرَةَ" (١٧). وأمَّا قَوْلُه ﷺ: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَة مَسَاجِدَ" فَيُحْمَلُ على نَفْىِ الفضيلِة (١٨)، لا على التَّحْرِيمِ (١٩)، وليست الفَضِيلَة شَرْطًا في إباحَةِ القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفَاؤُها.
فصل:
والمَلَّاحُ الذي يَسِيرُ في سفينتِه (٢٠)، وليس له بَيْتٌ سِوَى سَفِينَتِه، فيها أهْلُه وَتَنُّورُهُ وحاجَتُه، لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المَلَّاحِ، أيَقْصُرُ، ويُفْطِرُ في السَّفِينَةِ؟ قال: أمَّا إذا كانت السَّفِينَةُ بَيْتَهُ فإنَّه يُتِمُّ ويَصُومُ. قِيلَ له: كيف تكونُ بَيْتَهُ؟ قال: لا يكونُ له بَيْتٌ غيرَها، معه فيها أهْلُهُ وهو فيها مُقِيمٌ. وهذا قولُ عَطاءٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَقْصُرُ ويُفْطِرُ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وقولِ النَّبِيِّ ﷺ: "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وشَطْرَ