المغني لابن قدامة - ت التركي
حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، خِلَافُ ما احْتَجَّ به أصْحَابُنا. ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يكنْ في قَوْلِهِم حُجَّةٌ مع قولِ النَّبِيِّ ﷺ وفِعْلِه، وإذا لم تَثْبُتْ أقْوَالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيرِ الذي ذَكَرُوهُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ التي رَوَيْناها، ولِظَاهِرِ القُرْآن؛ لأنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ القَصْرِ لمن ضَرَبَ في الأرْضِ، لِقَوْلهِ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقد سَقَطَ شَرْطُ الخَوْفِ بالخَبَرِ المَذْكُورِ عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ. فبَقِىَ ظَاهِرُ الآية مُتَناوِلًا كُلَّ ضَرْبٍ في الأرْضِ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ: "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (٢١). جاء لِبَيَانِ أكْثَرِ مُدَّة المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ به ها هنا، وعلى أنه يُمْكِنُه قَطْعُ المَسافةِ القَصِيرَةِ في ثلاثة أيَّامٍ، وقد سَمَّاهُ النَّبِىُّ ﷺ سَفَرًا، فقال: "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أن تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ" (٢٢). والثانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه بِرَأْىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْلٌ يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقَاسُ عليه، والحُجَّةُ مع من أبَاحَ القَصْرَ لكلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإِجْمَاعُ على خِلَافِه.
فصل:
وإذا كان في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فهو كالبَرِّ، إن كانت مسافةُ سَفَرِه تَبْلُغُ مَسافةَ القَصْرِ، أُبِيحَ له، وإلَّا فلا، سواءٌ قَطَعَها في زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبَارًا