المغني لابن قدامة - ت التركي
إن أمْكَنَهُ القِيَامُ، إلَّا أنَّه يَخْشَى زِيَادَةَ مَرَضِه به، أو تَبَاطُؤَ بُرْئِه، أو يَشُقُّ عليه مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ قاعدًا. ونَحْوَ هذا قال مالِك وإسْحاقُ. وقال مَيْمُونُ بن مِهْرَانَ (٥): إذا لم يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ لِدُنْيَاهُ، فلْيُصَلِّ جَالِسًا. وحُكِىَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك. ولَنا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦). وتَكْلِيفُ القِيَامِ في هذه الحال حَرَجٌ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ (٧)، والظَّاهِرُ أنَّه لم يكنْ يَعْجِزُ عن القِيَامِ بالكُلِّيَّةِ؛ لكنْ لمَّا شَقَّ عليه القِيَامُ سَقَطَ عنه، فكذلك تَسْقُطُ عن غيرِه. وإذا صَلَّى قَاعِدًا فإنَّه يكونُ جُلُوسُه علَى صِفَةِ جُلُوسِ المُتَطَوِّعِ، جَالِسًا على ما ذَكَرْنا.
فصل:
وإنْ قَدَرَ على القِيَامِ، بأنْ يَتَّكِئَ على عَصًى، أو يَسْتَنِدَ إلى حائِطٍ، أو يَعْتَمِدَ على أحَدِ جانِبَيْه، لَزِمَهُ؛ لأنَّه قَادِرٌ على القِيَامِ مِن غير ضَرَرٍ، فَلَزِمَه، كما لو قَدَرَ بغيرِ هذه الأشْياء.
فصل: وإن قَدَرَ على القِيَامِ، إلَّا أنَّه يكونُ على هَيْئَةِ الرَّاكِعِ كالأحْدَبِ، أو مَنْ هو في بَيْتٍ قَصِيرِ السَّقْفِ، لا يمكِنُه الخُرُوجُ منه، أو في سَفِينَةٍ، أو خَائِفٍ لا يَأْمَنُ أن يُعْلَمَ به (٨) إذا رَفَعَ رَأْسَه، فإنَّه إن كان ذلك لِحَدَبٍ أو كِبَرٍ، لَزِمَه (٩) قِيَامُ مِثْلِه، وإنْ كان لغيرِ ذلك، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَهُ القِيَامُ، قِيَاسًا على الأحْدَبِ،