رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب
نَشْأَةُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ
يلاحِظُ الدارسُ لتاريخِ نشْأَة أصول الفقه أنَّه نَشَأَ مع عِلْم الفِقْهِ، وإنْ كان الفِقْهُ قد دُوَّن قبْلَه، كما هو مَعْلُوم؛ لأنه - حَتْمًا - حيث يكون فِقْهٌ، فلا بد من وجُود مِنْهاج للاستنباط جَنْبًا إلى جَنْب. وحيثُ كانَ المِنْهَاج، فلا محالة مِنْ أُصُول الفِقْه. وإذا كان استنباطُ الفِقْه قد ابْتَدَأ بَعْد الرَّسُول ﷺ أي: في عَصْر الصَّحابة، فإن الفقهاء من بَيْنِهِم كابْنِ مَسْعُود، وعليِّ بْنِ أَبِي طالبٍ، وابن الخطَّاب ما كَانُوا يقولون أقوالَهُم، ويعبِّرون عن آرائهم من غَيْر قَيْدٍ ولا ضَابِطٍ، فإذا سمع أحدٌ عليًّا - كرَّم الله وجْهَه - يقُول في عُقُوبة شَارِب الخَمْر: "إنَّه إذا شَرِبَ هَذَى وإذا هَذَى، افْتَرَى، وحدُّه حَدُّ المُفْتَرِين، فيجبُ حدُّ القذْف" فإن السامع يجد أن الإمامَ الجليلَ - كرَّم الله وجْهه - ينهج منهاح الحُكْم بالمآل، أو الحُكْمِ بسَدِّ الذرائع. كذلك قال عبد الله بنُ مَسْعُود في عِدَّة المُتوفَّى عنها زوجُها الحَامِلِ: إنَّ عِدَّتها بوضع الحَمْل، واستدلَّ على ما ذهب إلَيْه بقوْلهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ﴿سورة الطلاق: الآية ٤]، ويقول في ذلك: "أشْهَدُ أن سورة النِّسَاء الصغْرى نزلَتْ بعد سورةِ النِّساء الكُبْرى" يقصد أن سورة "الطَّلاق" نزلت بعد سورة "البَقَرة"، وهو يشير إلى قاعدةِ مِنْ قواعدِ عِلْم الأُصُول، وهي: "أن المتأخِّر ينْسَخ المتقدِّم أو يخصِّصُه" وهو يلتزم بهذا منهاجًا أصوليًّا. إذنْ نستطيع أن نقرِّر - بلا شك - أن الصَّحابة ﵃ في اجتهادِهِمْ كانُوا يلتزمُون مناهِجَ، وإنْ لم يصرِّحوا في كل الأحْوال بها (١).
ومما لا شَكَّ فيه أن الصحابة - رضوانُ الله عليهم - لم يُحْدِثُوا هذا الأمْرَ دون