المغني لابن قدامة - ت التركي
فصل:
(٣٧) فإنْ لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه أو مَنكِبَيْهِ، سترَ عورَتهُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وإنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بهِ" (٣٨). وهذا الثوبُ ضَيِّقٌ. وفى "المُسْندِ" (٣٩) عن ابْنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، أو عن عمرَ، قال: "لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ اليَهُودِ، ليَتَوشَّحْ، ومَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ ولْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ". ولأنَّ السَّتْرَ للعَوْرةِ واجبٌ مُتَّفَقٌ على وُجوبِه مُتَأَكِّد، وسَتْرُ المَنْكِبَيْنِ فيهِ مِن الخِلَافِ والتَّخْفِيفِ ما فيه، فلا يَجُوزُ تقدِيمهُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في الرَّجُلِ يكونُ عليهِ الثَّوْبُ اللَّطِيفُ، لا يبلُغُ أن يَعْقِدَهُ، يَرَى أن يتَّزِرَ بهِ وَيُصَلِّى؟ قال: لا أرَى ذلكَ مُجْزِئًا عنه. وإنْ كانَ الثوبُ لَطِيفًا صَلَّى قاعِدًا، وعقَدَ مِن ورَائِه (٤٠). وَظَاهِرُ هذا، أنَّه قد سَتَرَ المَنْكِبَيْنِ على القيامِ، وسَتَرَ ما عَدَا الفَرْجَيْنِ، ولأنَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الحديثَ في سَتْرِ المَنْكبَيْنِ أصَحُّ منهُ في سَتْرِ الفَرْجَيْنِ، وأنَّ القيامَ له بَدَلٌ، وسترُ المَنْكِبَيْنِ لا بدلَ لهُ. [والصحِيحُ ما ذَكَرْنَاهُ أولًا؛ لما قدَّمْنا مِن تَأَكُّدِ سَتْرِ العَوْرةِ والقيامِ، وما رَوَيْنَا مِن الحديثِ، وهو صَرِيحٌ فِي هذه المسألةِ، وفيهِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أبو داوُد، عن] (٤١) جابِرٍ، قال: سِرْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ، وعلَىَّ بُرْدَةٌ ذهَبْتُ أُخَالِفُ بين طَرَفَيْهَا، فلم تبلُغْ لِى، وَكَانَت لها ذَبَاذِبُ (٤٢)، فَنَكَّسْتُهَا، ثم خَالَفْتُ بين