Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي ٢٠١٠ - مسألة؛ قال: (وإذا شرط فى كتابته أن يوالى من شاء، فالولاء لمن أعتق، والشرط باطل)

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ١٤/ ٥٧٠

بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الوَلاءِ وهِبَتِه، وقال: "إنّما الولاءُ لِمَنْ أعتقَ". ولأنَّه لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ صاحِبه، كالقَرابةِ، ولأنَّه حكمُ العِتْقِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ المُعْتِقِ، كما لا يَصِحُّ اشْتِراطُ حُكمِ النِّكاحِ لغيرِ النَّاكِحِ، ولا حُكْمِ البَيْعِ لغيرِ العاقِدِ (٤). وسَواءٌ (٥) شَرَطَ (٦) أَنْ يُوَالِىَ مَن شاءَ، أو شرطَهُ لبائِعِه، أو لرجلٍ آخَرَ بعَيْنِه. ولا تفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ. نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يفْسُدُ به، كما لو شَرَطَ عِوَضًا مَجْهولًا. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. ولَنا، حديثُ بَرِيرَةَ؛ فإِنَّ أهْلَها شَرَطُوا لهم الوَلاءَ، فأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بشِرَائِها مع هذا الشَّرْطِ، وقال: "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". ويُفارِقُ جَهالةَ العِوَضِ؛ فإنَّه رُكْنُ العَقْدِ، لا يُمْكِنُ تصْحِيحُ العَقْدِ بدُونِه، ورُبَّما أفْضَتْ جَهالَتُه إلى التَّنازُعِ (٧) والاخْتِلافِ، وهذا شَرْطٌ (٨) زائِدٌ، فإذا حَذَفْناهُ بَقِىَ العَقْدُ صَحِيحًا بحالِه. فإنْ قيلَ: المُرادُ بقَولِ النَّبِىِّ ﷺ: "اشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ". أى عليهم؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا يَأْمُرُ بالشَّرطِ الفاسِدِ، واللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بمعنَى "على"، كقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٩). [أى فَعَلَيْها] (١٠). قُلْنا: هذا لا يَصِحُّ؛ لوُجوهٍ ثلاثةٍ؛ أحَدُاها، أنَّه يُخالِفُ وَضْعَ اللَّفْظِ والاسْتِعمالَ. والثانِى، أَنَّ أهْلَ بَرِيرَةَ أَبَوْا هذا الشَّرْطَ، فكيفَ يَأمُرُها النَّبِىُّ ﷺ بشرطٍ لا بَقْبَلُونَه! والثالِثُ، أَنَّ ثُبوتَ الوَلاءِ لها لا يَحْتاجُ إلى شَرْطٍ؛ لأَنَّه مُقْتَضَى العِتْقِ وحُكْمُه. والرَّابِعُ، أَنَّ فى بعضِ الألْفاظِ: "لَا يَمْنَعُكِ (١١) هذَا الشَّرْطُ مِنْهَا، ابْتَاعِى، وأعْتِقِى". وإنَّما أمَرَها النَّبِىُّ ﷺ بالشَّرْطِ، تَعْرِيفًا لنا أَنَّ وُجودَ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه، وأنَّه لا يَنْقُلُ الوَلاءَ عن المُعْتِقِ.