المغني لابن قدامة - ت التركي
الكَذبِ، وأنَّه عُوقبَ بحَلِفِه كاذبًا، وفى ذَهابِ مالِه له (٢١) أجْرٌ، وليس هذا تَضْيِيعًا للمالِ، فإنَّ أخاه المسلمَ يَنْتَفِعُ به فى الدُّنْيا ويَغرَمُه له فى الآخِرَةِ. وأمَّا عمرُ، فإنَّه خافَ الاسْتِنانَ به، وتَرْكَ الناسِ الحَلِفَ على حُقوقِهم، فيدُلُّ على أنَّه لولا ذلك، لَما حَلَفَ، وهذا أوْلَى. واللَّهُ تعالى أعلمُ.
فصل:
فأمَّا الحلِفُ الكاذبُ ليَقتَطِعَ به مالَ أخيه، ففيه إثمٌ كَبيرٌ. وقد قيلَ: إنه مِن الكبائرِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى وعدَ عليه العذابَ الأليمَ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢). قال الأشْعَثُ بنُ قَيْس: [فِىَّ] (٢٣) نزلَتْ هذه الآيةُ، كان لى بئرٌ فى أرض ابنِ عمٍّ لى، فأتيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ، فقال: "بَيِّنَتُكَ، أَوْ يَمِينُهُ". قلتُ: إذًا يَحْلِفُ عليها. فقال رسولُ اللَّه ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، هُوَ فيها فاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". أخْرَجه البُخارِىُّ (٢٤). وروَى ابنُ مَسعودٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ (٢٥)، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجرٌ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". متَّفقٌ عليه (٢٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ، فى حديثِ الكِنْدِىِّ: "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ