المغني لابن قدامة - ت التركي
يقصِدُ الجَامعَ، فيُصلِّي فيه رَكْعتيْن، كما كان النبِيُّ ﷺ يفْعَلُ إذا دخلَ المدينةَ (٤٧)، ويسألُ اللهَ تعالى التَّوفيقَ والعِصْمةَ والْمَعُونةَ، وأنْ يجْعلَ عملَه صالحًا، ويجْعلَه لوَجْهِه خالصًا، ولا يجعلَ لأحدٍ فيه شيئًا، ويُفوِّضُ أمرَه إلى اللهِ تعالى، ويتوكَّلُ عليه، ويأمرُ مُنادِيَه فيُنادِى في البَلَدِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ عليكم قاضيًا، فاجْتمِعُوا لِقراءَةِ عَهْدِه، وقتَ كذا وكذا. ويَنْصرِفُ إلى مَنْزلِه الذي قد أُعِدَّ له، وينْبَغِى أنْ يكونَ في وَسَطِ البلدِ؛ ليتَساوَى أهلُ البَلَدِ (٤٨) فيه، ولا يَشُقُّ على بعضِهم قَصْدُه، فإذا اجْتمَعُوا، أمرَ بعَهْدِه فقُرِيء عليهم، لِيعْلَموا التَّولِيَةَ، ويَأْتُوا إليه، ويَعِدُ الناسَ يومًا يجْلِسُ فيه للقَضاءِ، ثم ينْصَرِفُ إلى منزلِه. وأوَّلُ ما يبدأُ فيه (٤٩) مِن أمرِ الحكمِ، أنْ يبْعَثَ إلى الحاكِم المَعْزُولِ فيأخُذَ منه ديوانَ الحُكْمِ؛ وهو ما فيه وَثائقُ الناسِ من المحاضِرِ، وهي نُسَخُ ما ثَبَتَ عندَ الحاكِم، والسِّجِلَّاتُ نُسَخُ ما حكَم به، وما كان عندَه من حُجَجِ الناسِ ووَثائقِهم مُودَعةً في ديوانِ الحُكْمِ، فكانت عندَه بحُكْمِ الوِلَايةِ، فإذا انْتقَلتِ الوِلايةُ إلى غيرِه، كان عليه تسْلِيمُها إليه، فتكونُ مودَعةً عندَه في ديوانِه، ثم يَخْرُجُ في اليومِ الذي وعَدَ بالجلوسِ فيه إلى مَجْلسِه، على أكْمَلِ حالٍ (٥٠) وأعْدَلِها، خَلِيًّا مِن الغَضَبِ، والجُوعِ الشديدِ والعَطَشِ، والفَرَحِ الشَّديدِ والحُزْنِ الكثيرِ، والهَمِّ العظيمِ، والوَجَعِ المُؤْلمِ، ومُدافَعةِ الأخْبَثَيْنِ أو أحَدِهما، والنُّعاسِ الذي يغْمُرُ القلبَ؛ ليكونَ أجْمَعَ لقَلْبِه، وأحْضَرَ لذِهْنِه، وأَبْلَغَ في تيقُّظِه للصَّوابِ، وفِطْنتِه لِمَوْضعِ الرَّأْيِ؛ ولذلك قال النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يَقْضِي القَاضِي بيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٥١). فنَصَّ على الغضَبِ، ونَبَّهَ على ما في