المغني لابن قدامة - ت التركي
وصِفَةُ الجلوسِ لهذا التَّشَهُّدِ كصِفَةِ الجلوسِ بينَ السَّجْدَتَينِ؛ يكونُ مُفْتَرِشًا كما وصَفْنَا. وسواءٌ كانَ آخِرَ صلاتِهِ أو لم يكنْ. وبِهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وقال مالكٌ: يَكُونُ مُتَوَرِّكًا على كلِّ حالٍ؛ لِمَا رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْلِسُ في وسَطِ الصلاةِ [وفى آخِرِها] (٦) مُتَوَرِّكًا. وقالَ الشافعيُّ: إنْ كانَ مُتَوَسِّطًا كقولِنَا، وإنْ كانَ آخِرَ صلاتِهِ كقولِ مالكٍ. ولَنا، حديثُ أبى حُمَيْدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَلَسَ - يَعْنِى للتَّشَهُّدِ - فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وأَقْبَلَ بِصَدْرِ اليُمْنَى على قِبْلَتِهِ. وقال وائلُ بنُ حُجْرٍ: قُلْتُ، لأَنْظُرَنَّ إلَى صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ. فلَمَّا جلسَ - يَعْنِى لِلتَّشَهُّدِ - افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ووضعَ يدَهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، ونَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى (٧). وهذان حديثَانِ صحيحَانِ حسنَانِ، يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بهما، وتَقْدِيمُهُما على حديثِ ابْنِ مسعودٍ؛ لصِحَّتِهِما وكَثْرَةِ رُوَاتِهِما، فإنَّ أبا حُمَيْدٍ ذَكَرَ حديثَه في عشرَةٍ مِن الصحابَةِ فَصَدَّقُوهُ، وهما مُتَأَخِّرَانِ عن ابْنِ مَسْعودٍ، وإنَّمَا يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقد بَيَّنَ أبو حُمَيْدٍ في حديثهِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، فَتَكُونُ زِيادَة، والأخْذُ بالزِّيَادَةِ واجبٌ.