Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي ١٧٨٥ - مسألة؛ قال: (بصدقة ملكه، أو بالحج)

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ١٣/ ٤٦٢

وابنُ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: لا شىءَ فى الحَلِفِ بالحجِّ. وعن الشَّعْبِىِّ، والحارِثِ العُكْلِىِّ، وحَمَّادٍ، والحَكَمِ: لا شىء فى الحَلِفِ بصَدَقَةِ مالِه؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما تَلْزَمُ بالحَلِفِ باللَّهِ تعالى، لِحُرْمَةِ الاسْمِ، وهذا ما حَلَفَ باسمِ اللَّهِ، ولا يجبُ ما سَمَّاه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْه مَخْرَجَ القُرْبَةِ، وإنَّما الْتَزَمَه على طريقِ العُقوبَةِ، فلم يَلْزَمْه. وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَلْزَمُه الوفاءُ بنَذْرِه؛ لأنَّه نَذْرٌ فيَلْزَمُه الوَفاءُ به، كنَذْرِ التَّبَرُّرِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن الشَّعْبِىِّ. ولَنا، ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا نَذْرَ فى غَضَبٍ، وكَفَّارَتُه كَفّارَةُ يَمِينٍ". روَاه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، والجُوزجانِىُّ، فى "المُتَرْجَمِ" (٥). وعن عائِشَةَ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ بالْمَشْىِ، أو الْهَدْىِ، أو جَعْلِ مَالِهِ فِى سَبِيلِ اللَّه، أَوْ فِى الْمَسَاكِينِ، أو فِى رِتَاجِ الْكَعْبَةِ (٦)، فَكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" (٧). ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى عَصْرِهم، ولأَنَّه يمَينٌ، فيَدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٨). ودَليلُ أنَّهُ يمينٌ، أنَّه يُسَمَّى بذلك، ويُسمَّى قائِلُه حالِفًا، وفارَق نَذْرَ التَّبَرُّرِ؛ لكَوْنِه قَصَدَ به التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تعالى والبِرَّ، ولم يُخْرِجْه مَخْرَجَ اليَمِينِ؛ وههُنا خرَجَ مَخْرَجَ اليَمِينِ، ولم يقْصِدْ به قُرْبَةً ولا بِرًّا، فأشْبَهَ الْيَمِينَ من وَجْهٍ والنَّذْرَ من وجْهٍ، فخُيِّر بينَ الوفاءِ به وبين الكَفّارَة. وعن أحمد، رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّه تَتَعَيَّنُ الكَفّارَةُ، ولا يُجْزِئُه الوَفاءُ بِنَذْرِه. وهو قولٌ لبَعْضِ أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه يَمِينٌ. والأَوّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إنَّما الْتَزمَ فِعْلَ ما نَذَرَه، فلا يَلْزَمُه أكثرُ منه، كنَذْرِ التَّبَرُّرِ. وفارَق الْيَمِينَ باللَّه تعالى؛ لأَنَّه أَقْسَمَ بالاسْمِ المُحْتَرَمِ (٩)، فإذا خالفَ لزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، تَعْظِيمًا للاسْمِ، بخلافِ هذا.