المغني لابن قدامة - ت التركي
اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٦). يعني الحرمَ، بدليل قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٦). والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه لو أُرِيدَ به (٧) الخبرُ، لأَفْضَى إلى وقوعِ الخبرِ خلافَ المُخْبِرِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ: "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسلِمٍ (٧) يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ يَسْفِكَ فيها (٨) دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقولُوا: إنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وإنَّما أَذِنَ لِى سَاعَةً مِنْ نَهارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ". وقال النَّبِىُّ ﷺ: "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلى حُرْمَتِها، فَلَا يُسْفَكُ فيها دَمٌ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠). فالحُجَّةُ فيه مِنْ وَجْهينِ؛ أحدُهما، أنَّهُ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بها على الإِطْلَاقِ، وتخْصيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّم الحرامِ، لم يخْتصَّ به مكةَ، فلا يكونُ التَّخْصيصُ مُفِيدًا. والثاني، قولُه: "وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لي سَاعَةً من نَهارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُها". ومعلومٌ أنَّه إنَّما حَلَّ له سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فَحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمَنْعِه قياسَ غيرِه عليه. والاقْتداءُ به فيه بقوله: "فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ