المغني لابن قدامة - ت التركي
منه رِدَّةٌ، والمُرْتَدُّ يُسْتَتابُ، وتَصِحُّ تَوْبَتُه. ولَنا، أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كقَذْفِ غيرِ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ، ولأَنَّه لو قُبِلَتْ تَوْبتُه، وسقط حَدُّه، لَكانَ أخفَّ حُكْمًا من قَذْفِ آحادِ الناسِ؛ لأنَّ قذفَ غيرِه لا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، ولا بُدَّ من إقامَتِه. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، فيما إذا كان القاذِفُ كافرًا فأسْلَمَ، فرُوِىَ أنَّه لا يسْقُطُ بإسْلامِه؛ لأنَّه حَدُّ قَذْفٍ، فلم يسْقُطْ بالإِسْلامِ، كقَذْفِ غيرِه. ورُوِى أنَّه يسْقُطُ؛ لأنَّه لو سَبَّ اللهَ تعالى في كُفْرِه، ثم أسْلَمَ، سَقَطَ عنه القتلُ، فسَبُّ نَبِيِّه أَوْلَى، ولأنَّ الإِسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، والخلافُ في سُقوطِ القتلِ عنه، فأمَّا تَوْبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى فمَقْبُولَةٌ، فإنَّ اللَّه تعالى يقبلُ التَّوْبةَ من (١) الذُّنوبِ كُلِّها، والحُكْمُ في قَذْفِ النَّبِيِّ ﷺ، كالحُكْمِ في قَذفِ أُمِّه؛ لأنَّ قَذْفَ أُمِّه إنَّما أوجَبَ القَتْلَ؛ لكَوْنِه قَذْفًا (٢) للنَّبِىِّ ﷺ, وقَدْحًا في نَسَبِهِ.
فصل:
وقَذْفُ النَّبِيِّ ﷺ، وقذفُ أُمِّه، رِدَّةٌ عن الإِسلامِ، وخروجٌ عن الملَّةِ، وكذلك سَبُّه بغيرِ القذفِ، إِلَّا أنَّ سَبَّهُ بغيرِ القَذْفِ يسْقُطُ بالإِسْلامِ؛ لأنَّ سَبَّ اللهِ تعالى يَسْقُطُ بالإِسلامِ، فسَبُّ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى، وقد جَاءَ في الأَثَرِ، أنَّ اللَّه تعالى يقول: "شَتَمَنِى ابنُ آدَمَ، وما يَنْبَغِى لهُ أنْ يَشْتُمَنِى، أمَّا شَتْمُهُ إيَّاىَ فَقْولُهُ إنِّي اتَّخَذْتُ وَلَدًا، وأَنَا الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُوْلَدْ" (٣). ولا خِلافَ في أنَّ إسلامَ النَّصْرانِىِّ القائِلِ لهذا القولِ يَمْحُو (٤) ذَنْبَهُ.