المغني لابن قدامة - ت التركي
والخَطَإِ فيه، فإنَّه عَمَدَ الفِعْلَ، وأخْطَأَ في القَتْلِ، فهذا لا قَوَدَ فيه. والدِّيَةُ على العاقِلَةِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وجَعَلَه مالكٌ عَمْدًا مُوجِبًا للقِصاصِ؛ لأنَّه (٢) ليس في كتابِ اللَّه إلَّا العَمْدُ والخَطَأُ، فمَن زاد قِسْمًا ثالثًا، زاد على النَّصِّ، ولأنَّه قَتَلَه بفِعْلٍ عَمَدَه، فكان عَمْدًا، كما لو غَرَزَه بِإبْرةٍ فقَتَله. وقال أبو بكرٍ من أصحابِنا: تجبُ الدِّيةُ في مالِ القاتلِ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمةَ؛ لأنَّه مُوجِبُ فِعْلٍ عَمْدٍ، فكان في مالِ القاتلِ، كسائرِ الجِناياتِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أو وَلِيدةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفَقٌ عليه (٣). فأوْجَبَ دِيَتَها على العاقلةِ، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ عَمْدًا، وأيضًا قولُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَلَا (٤) إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مِائةً مِنَ الإِبِلِ" (٥). وفي لفظٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، ولَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ". رواه أبو داودَ (٦). وهذا نَصٌّ، وقولُه هذا قِسْمٌ ثالثٌ. قُلْنا: نعم، هذا ثَبَتَ بالسُّنَّةِ، والقِسْمانِ الأَوَّلان ثَبَتَا بالكِتابِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجِبُ القَوَدَ، فكانت دِيَتُه على العاقلةِ، كقَتْلِ الخَطَإِ.