المغني لابن قدامة - ت التركي
ولأنَّ لَفْظَ الآيةِ لفظُ الخَبَرِ، والأخبارُ لا (٧) يَدْخُلُها نَسْخٌ ولا تغييرٌ؛ لأنَّ خبرَ اللَّه تعالى لا يكونُ إلَّا صِدْقًا. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨). فجعَله داخلا في المَشِيئةِ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٩). وفى الحديثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ، قال: "إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَه منْ تَوْبةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ومَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، ولكِن اخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ، إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فَاعْبُدِ اللهَ فِيهَا. فخَرَجَ تَائِبًا، فأدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإلَى أيِّهمَا كَانَ أقْرَبَ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أهْلِهَا. فوَجَدُوهُ أقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ، فَجَعَلوهُ مِنْ أهْلِهَا". [مُتَّفَقٌ عليه] (١٠). ولأنَّ التَّوْبةَ تَصِحُّ من الكُفْرِ، فمن القَتْلِ (١١) أَوْلَى. والآيةُ مَحْمولةٌ على مَنْ لم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤُه إن جَازاهُ، وله العَفْوُ إذا شاء. وقوله: لا يَدْخُلُها النَّسْخُ. قُلْنا: لكنْ يَدْخُلُها التَّخْصِيصُ والتَّأْوِيلُ.