المغني لابن قدامة - ت التركي
أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، وعِدَّته وَجَبَتْ عن وَطْءٍ فى نكاحٍ صحيحٍ، فإذا أكْمَلتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، وَجَبَ عليها أن تَعْتَدَّ من الثانى، ولا تتَداخَلُ العِدَّتانِ؛ لأنَّهما من رَجُلَيْنِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يتداخَلانِ، فتَأْتِى بثَلاثةِ قُرُوءٍ بعدَ مُفارَقةِ الثانى، تكونُ عن بَقيَّةِ عِدَّةِ الأوَّلِ وعِدَّةً لِلثانى (٩)؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ، وهذا تَحْصُلُ به بَراءةُ الرَّحِمِ منهما (١٠) جميعًا. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ (١١)، عن ابن شِهَابٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وسليمانَ بن يَسَارٍ، أن طُلَيْحةَ كانت تحتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِىِّ، فطَلَّقهَا، ونَكحَتْ (١٢) غيرَه فى عِدَّتِها، فضَرَبها عمرُ بن الخطَّاب، وضَرَبَ زَوْجَها ضَرَباتٍ بمِخْفَقَةٍ، وفَرَّقَ بينهما. ثم قال: أيُّما امْرأةٍ نَكَحَتْ فى عِدَّتِها، فإن كان زَوْجُها الذى تَزَوَّجَها لم يَدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بَقيَّةَ عِدَّتِها من زَوْجِها الأوَّل، وكان خاطِبًا من الخُطَّابِ، وإن كان دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بقِيَّةَ عِدَّتِها من الأوَّل، ثم اعْتَدَّتْ من الآخِرِ، ولا يَنْكِحُها أبدًا. ورَوَى، بإسْنادِه عن عليٍّ أنَّه قَضَى فى التى تَزَوَّجُ فى عِدَّتِها، أنَّه يُفَرَّقُ بينهما، ولها الصَّداقُ بما اسْتَحَلَّ من فَرْجِها، وتُكْمِلُ ما أَفْسَدَتْ من عِدَّةِ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ من الآخِرِ (١٣)، وهذان قَوْلَا سَيِّدَيْنِ من الخُلَفاءِ (١٤)، لم يُعْرَفْ لهما فى الصَّحابةِ مُخالِفٌ، ولأنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودانِ لآدَمِيَّيْنِ، فلم يتَداخَلَا، كالدَّيْنَيْنِ واليَمِينَيْنِ، ولأنَّه حَبْسٌ يَسْتَحِقُّه الرِّجالُ