المغني لابن قدامة - ت التركي
المرأةُ زَوْجَها، فله ضَرْبُها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ. فظاهرُ هذا إباحةُ ضَرْبِها بأوَّلِ مَرَّةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. ولأنَّها صَرَّحت بالمنْعِ (٧) فكان له ضربُها، كما لو أصَرَّتْ، ولأنَّ عُقوباتِ الْمَعاصِى لا تخْتلِفُ بالتَّكْرَارِ وعَدَمِه، كالحدودِ ووَجْهُ قولِ الْخِرَقىِّ أَنَّ (٨) المقصودَ زَجْرُها عن المَعْصِيَةِ فى المُسْتقبلِ، وما هذا سَبِيلُه يُبدأُ فيه بالأسْهلِ فالأسْهلِ، كمَنْ هُجِمَ منزلُه فأرادَ إخراجَه. وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. الآية، ففيها إضْمارٌ تقديرُه والَّلاتى تخافون نُشوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ، فإن نَشَزْنَ فاهْجُروهُنَّ فى المَضاجعِ، فإن أصْرَرْنَ فاضْرِبُوهُنَّ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٩). والذى يَدُلُّ على هذا أنَّه رَتَّبَ هذه العُقوباتِ على خَوْفِ النُّشُوزِ؛ ولا خِلافَ فى أنَّه لا يَضْرِبُها لخوْفِ النُّشُوزِ قبلَ إظْهارِه. وللشَّافعى قولانِ كهذيْنِ فإن لم ترتدعْ بالوعظِ والهجرِ، فله ضَرْبُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ: "إنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ". رَواه مسلمٌ (١٠). ومعنى "غيرُ مُبَرِّحٍ" أى ليس بالشَّديدِ. قال الخلَّالُ: سألتُ أحمدَ بنَ يحيى، عن قوله: "ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ" قال: غيرُ شديدٍ. وعليه أن يجْتَنِبَ الوَجْهَ والمواضِعَ المَخُوفَةَ؛ لأنَّ