المغني لابن قدامة - ت التركي
فذهبَ أحمدُ، ﵀ إلى إِباحَتِه. ورُوِىَ ذلك عَنْ عِكْرِمَة، وعَطَاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىَّ، وإِسحاقَ، ونَحْوَهَ قال الحَكَمُ، فإنَّه قال: لا بَأْسَ أنْ تَضَعَ على فَرْجِها ثَوْبًا ما لم يُدْخِلْه. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا يُبَاحُ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يَأْمُرُنِى فأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِى وأنا حَائِضٌ. رواهُ البُخارِىُّ (١). وعن عمرَ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وهى حَائِضٌ، فقال: "فَوْقَ الإِزَارِ (٢) ". ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣)، والمَحِيضُ: اسْمٌ لمكانِ الحَيْضِ (٤)، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فتَخْصِيصُه مَوْضِعَ الدَّمِ بِالاعْتِزَالِ دَلِيلٌ على إبَاحَتِه فيما عَدَاه. فإنْ قِيل: بل المَحِيضُ الحَيْضُ، مصدرُ حَاضَتِ المْرأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا، بدليلِ قولِه تعالى في أوَّلِ الآيةِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾. والأذَى: هو الحَيْضُ المَسْئُولُ عنه، وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٥). قُلْنا: اللفظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْن، وإرَادَةٌ مكانِ الدَّمِ أرْجَحُ، بدليلِ أمْرَيْن: أحَدُهما، أنَّه لو أرادَ الحَيْضَ لكانَ أمْرًا بِاعْتزالِ النِّسَاءِ في مُدَّةِ الحَيْضِ بالكُلِّيَّة، والإِجْماعُ بخِلَافِه. والثَّانِى، أنَّ سببَ نُزُولِ الآيةِ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضتِ المَرْأَةُ اعْتَزَلُوها، فلمْ يُؤَاكِلُوها، ولم يُشَارِبُوهَا، ولم يُجَامِعُوها في البيتِ، فسألَ أصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ النَّبِىَّ ﷺ فنَزَلتْ هذه الآيةُ، فقال النبيُّ ﷺ: "اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ في