المغني لابن قدامة - ت التركي
مُشَاعٍ (١٦). ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ، وقد جاءَهُ رَجُلٌ ومعه كُبَّةٌ (١٧) من شَعرٍ، فقال: أخَذْتُ هذه من المَغْنَمِ لأُصْلِحَ بَرْدَعَةً لي. فقال النبيُّ ﷺ: "مَا كَان لِى ولِبَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ فهو لَكَ" (١٨). ورَوَى عُمَيْرُ (١٩) بن سَلَمةَ الضَّمْرِىُّ، قال: قال خَرَجْنَا مع رسولِ اللَّه ﷺ، حتى أَتَيْنَا الرَّوْحَاءَ، فرَأَيْنا حِمَارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا، فأرَدْنا أخْذَه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهُ، فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِىءَ صَاحِبُهُ". فجاءَ رَجُلٌ من بَهْزٍ، وهو الذي عَقَرَهُ، فقال: يا رسولَ اللَّه: شَأنَكُم الحِمَارَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أن يَقْسِمَهُ بين النّاسِ. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، والنَّسَائِىُّ (٢٠). ولأنَّه يجوزُ بَيْعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذى لا يَنْقَسِمُ، ولأنَّه مُشَاعٌ، فأشْبَهَ ما لا يَنْقَسِمُ. وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لم يَمْنَعْ صِحَّتَه في البَيْعِ، فكذا ههُنا. ومتى كانت الهِبَةُ لِاثْنَيْنِ، فقَبَضَاهُ بإِذْنِه، ثَبَتَ مِلْكُهُما فيه، وإن قَبَضَه أحَدُهُما، ثَبَتَ المِلْكُ في نَصيبِه دُونَ نَصِيبِ صاحِبِه.
فصل:
ومتى قُلْنا: إنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ. لم تَصِحَّ الهِبَةُ فيما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه. كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والمَغْصُوبِ لغيرِ غاصِبِه ممَّن لا يَقْدِرُ على أخْذِه من غاصِبِه. وبهذا يقول أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، فلم يَصِحَّ في ذلك، كالبَيْعِ. وإن وَهَبَ المَغْصُوبَ لغاصِبِه، أو لم يَتَمَكَّنْ من أخْذِه منه،