Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ٨/ ١٧٥

مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإِجرَاءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.

فصل:

القسم الثاني، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثل أن يَشْتَرِكَ جَمَاعةٌ في اسْتِنْباطِ عَيْنٍ وإجْرَائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونها أيضًا؛ لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها، وفى سَاقِيَتِها، على حَسَبِ ما أَنْفَقُوا عليها، وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا [في النَّهْرِ] (٨٨)، في القِسْمِ الذي قبلَ هذا، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ، لأنَّه مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَهُ، وههُنا يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ؛ أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا. وقد ذَكَرْنا ذلك. وعلى كلِّ حالٍ، فلِكُلِّ أحدٍ أن يَسْتَقِىَ من الماءِ الجارِى لِشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيَابِه، ويَنْتَفِعَ به في أشْباهِ ذلك، ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، من غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه. ولا يَحِلُّ لِصَاحِبِه المَنْعُ من ذلك؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ، ولَا يُزَكِّيهِمْ، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ ماءٍ بالطَّريقِ، فمَنَعَه ابنَ السَّبِيلِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٨٩)، وعن بُهَيْسَة (٩٠)، عن أَبِيهَا، أنَّه قال: يا نَبِىَّ اللهِ، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "الْمَاءُ". قال: يا نَبِىَّ اللَّه، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "المِلْحُ". قال: يا نَبِىَّ اللَّه، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "أن تَفْعَلَ الخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩١). ولأنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ فيه (٩٢) في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حَاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ. فأمَّا ما يُؤَثِّرُ فيه، كسَقْىِ الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ، ونحوِ ذلك، فإن فَضَلَ الماءُ عن حاجَةِ صاحِبِه، لَزِمَهُ بَذْلُه لذلك، وإن لم يَفْضُلْ، لم يَلْزَمْهُ. وقد ذَكَرْنا ذلك في غيرِ هذا المَوْضِعِ.