المغني لابن قدامة - ت التركي
فصل:
فإن أُعْطِىَ المُعَلِّمُ شيئا من غير شَرْطٍ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوَازُه. وقال، فيما نَقَلَ عنه أيُّوبُ ابن سافرى (٦٤): لا يَطْلُبُ، ولا يُشَارِطُ، فإن أُعْطِىَ شَيْئًا أخَذَه. وقال، في رِوَايةِ أحمدَ بن سَعِيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَطَ. وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشَارِطُ، ولا يَطْلُبُ من أحدٍ شَيْئًا، إن أتَاهُ شيءٌ قَبِلَه. كأنَّه يَرَاهُ أهْوَنَ. وكَرِهَه (٦٥) طائِفَةٌ من أهْلِ العِلْمِ؛ لما تَقَدَّمَ من حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ اللَّتَيْنِ أُعْطِيَهما أبَىٌّ وعُبادَةُ من غيرِ شَرْطٍ. ولأنَّ ذلك قُرْبَةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنها، لا بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلَاةِ والصِّيَامِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ ﷺ: "مَا أَتَاكَ مِنْ هذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ، فَخُذْهُ، وتَمَوَّلْهُ؛ فَإنَّهُ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إلَيْكَ" (٦٦). وقد أرْخَصَ النبيُّ ﷺ لِأُبَىٍّ في أكْلِ طَعَامِ الذي كان يُعَلِّمُه، إذا كان طَعَامَه وطَعَامَ أهْلِه. ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ، كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْهُ شيئا. فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ، فقَضِيَّتانِ في عَيْنٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ عَلِمَ أنَّهما فَعَلَا ذلك لِلهِ خَالِصًا، فكَرِهَ أخذَ العِوَضِ عنه (٦٧) من غيرِ اللَّه تعالى. ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك. وإن أُعْطِىَ المُعَلمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الصَّبِىِّ الخَطَّ وحِفْظِه، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِى يَنْوِى أن يُعْطِيَهُ لحِفْظِ الصَّبِىِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا. ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه مُفرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه. وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ قَيِّمًا له، يُسْرِجُ قَنَادِيلَه، ويَكنُسُهُ، ويُغْلِقُ بَابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النّائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ