المغني لابن قدامة - ت التركي
بَيْتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِنَاءِ المَسَاجِدِ والقَنَاطِرِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه يُحْتَاجُ إلى الاسْتنابةِ في الحَجِّ عمَّن وَجَبَ عليه الحَجُّ وعَجَزَ عن فِعْلِه، ولا يَكَادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتَاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه. ووَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى، ما رَوَى عثمانُ بن أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ ﷺ، أن اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذَانِه أجْرًا. قال التِّرْمِذِىُّ (٥٥): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى عُبَادَةُ بن الصَّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ نَاسًا من أهْلِ الصُّفَّةِ القُرآنَ والكِتَابةَ، فأهْدَى إلىَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا، قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيْسَتْ بمالٍ. قال: قلتُ أتَقَلَّدُهَا في سَبِيلِ اللَّه. فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ. وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال: "إنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَاقْبَلْهَا" (٥٦). وعن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً من القُرْآنِ، فأَهْدَى إليه خَمِيصَةً (٥٧) أو ثَوبًا، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: "لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أو أخَذْتَها، أَلْبَسَكَ اللهُ مَكَانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ" (٥٨). وعن أُبَىٍّ، قال: كُنْتُ أخْتَلِفُ إلى رَجُلٍ مُسِنٍّ، قد أصَابَتْهُ عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيْتِه أُقْرِئُه القُرْآنَ، فكان عند فَرَاغِه ممَّا أُقْرِئُه يقول لِجَارِيَةٍ له: هَلُمِّى بِطَعَامِ أخِى. فيُؤْتَى بطَعَامٍ لا آكُلُ مثلَه بالمَدِينَةِ، فحَاكَ في نَفْسِى منه