المغني لابن قدامة - ت التركي
٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَىْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ، أُخِذَ بالكُلِّ، وكَانَ اسْتِثْنَاؤُه بَاطِلًا)
لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا يجوزُ اسْتِثْنَاءُ ما زَادَ على النِّصْفِ. ويُحْكَى ذلك عن ابنِ دَرَسْتَوَيْه النَّحْوِىِّ (١). وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأصْحَابُهم: يَصِحُّ ما لم يَسْتَثْنِ الكُلَّ، فلو قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا تِسْعَةً وتِسْعِينَ. لم يَلْزَمْهُ إلَّا واحِدٌ، بدَلِيلِ قولِه تعالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣). فاسْتَثْنَى في مَوْضِعٍ الغَاوِينَ من العِبَادِ، وفي مَوْضِعٍ العِبَادَ من الغَاوِينَ، وأيُّهما كان الأَكْثَرَ فقد دَلَّ على اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَر. وأنْشَدُوا:
أَدُّوا التي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثُوا حَكَمًا بالحَقِّ قَوَّامًا (٤)
فَاسْتَثْنَى تِسْعِينَ من مائةٍ؛ لأنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ، ومُشَبَّهٌ به، ولأنَّه اسْتَثْنَى البَعْضَ، فجَازَ، كاسْتِثْنَاءِ الأَقَلِّ، ولأنَّه رَفَعَ بعضَ ما تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، فجازَ في الأَكْثَرِ، كالتَّخْصِيصِ والبَدَلِ. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في لِسَانِ العَرَبِ الاسْتِثْنَاءُ إلَّا في الأَقَلِّ، وقد أنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الأَكْثَرِ، فقال أبو إِسحاقَ الزَّجَّاجُ (٥): لم يَأْتِ الاسْتِثْنَاءُ إلَّا في القَلِيلِ من الكَثِيرِ، ولو قال قائِلٌ: مائةٌ إلَّا تِسْعَةً وتِسْعِينَ. لم يكُنْ مُتَكَلِّمًا بالعَرَبِيَّةِ، وكان عِيًّا من الكَلَامِ ولُكْنَةً. وقال القُتَيْبِىُّ (٦): يُقال: صُمْتُ الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا. ولا يُقَالُ: صُمْتُ