Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي فصل

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ٦/ ٦٠٦

وتُهْدِينَهُ" (١٥). ولأنَّ العَادَةَ السَّمَاحُ بذلك، وطِيبُ النَّفْسِ، فجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإذْنِ، كما أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بين يَدَىِ الأَكَلَةِ قَامَ مَقامَ صَرِيحِ الإذْنِ فى أَكْلِهِ. والرِّواية الثانية، لا يجوزُ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ، يقولُ: "لَا تُنْفِقُ الْمَرْأةُ شَيْئًا من بَيْتِها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها". قيل: يا رسول اللَّه ولا الطَّعَامَ؟ . قال: "ذاكَ أفْضَلُ أموَالِنا". رَوَاهُ سَعِيدٌ فى "سُنَنِه" (١٦). وقال النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١٧). وقال: "إنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِى شَهْرِكُمْ هذَا، فِى بَلَدِكُمْ هذا" (١٨). ولأنَّه تَبَرَّعَ بمَالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كغيرِ الزَّوْجَةِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأحادِيثَ فيها خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العَامِّ ويُبَيِّنُه، ويُعَرِّفُ أنَّ المُرادَ بالعَامِّ غيرُ هذه الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ، والحَدِيثُ الخاصُّ لهذه الرِّوَايَةِ ضَعِيفٌ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ المرأةِ على غيرِها؛ لأنَّها بِحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ فى مالِ زَوْجِهَا، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه، لِحُضُورِها وغَيْبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإِذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصارَ كأنَّه قال لها: افْعَلِى هذا. فإنْ مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِى بشَىْءٍ، ولا تَتَبَرَّعِى من مَالِى بِقَلِيلٍ، ولا كَثِيرٍ. لم يَجُزْ لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ نَفْىٌ للإِذْنِ العُرْفِيِّ. ولو كان فى بَيْتِ الرَّجُلِ من يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِه كجارِيَتِه، أو أُخْتِه. أو غُلَامِهِ المُتصَرِّفِ فى بَيْتِ سَيِّدِه وطَعَامِه، جَرَى