المغني لابن قدامة - ت التركي
فصل:
والمَضْمَضَةُ: إدَارَةُ الماءِ في الفَمِ. والاسْتِنْشاقُ: اجْتِذَابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطِنِ الأَنْفِ. والاسْتِنْثارُ: إخْراجُ الماءِ من أَنْفِه. ولكن يُعَبَّرُ بالاسْتِنْثارِ عن الاسْتِنْشاقِ؛ لِكَوْنِه مِنْ لَوازِمِهِ. ولا يَجِبُ إدارة الماءِ في جَميعِ الفَمِ، ولا إيصَالُ الماءِ إلى جَميعِ باطِنِ الأَنْفِ، وإنما ذلك مُبَالغةٌ مُسْتَحَبَّةٌ في حَقِّ غيرِ الصائِمِ، وقد ذَكَرْناه في سُنَنِ الطَّهارةِ. وإذا أدَارَ الماءَ في فِيهِ فهو مُخَيَّرٌ بين مَجِّهِ وبَلْعِهِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ قد حَصَلَ به، فإنْ جَعَلَهُ في فِيهِ يَنْوِى رَفْعَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، ثم ذَكَرَ أنه جُنُبٌ، فَنَوَى رَفْعَ الحَدَثَيْنِ، ارْتَفَعَا جَمِيعًا؛ لأنَّ الماءَ لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الاسْتِعْمالِ إلا بعد الانْفِصَالِ، ولو كان الماءُ قد لِبَثَ في فِيهِ حتى تَحَلَّلَ مِنْ رِيقِهِ ماءٌ يُغَيِّرُه لَمْ يَمْنَع؛ لأنَّ التَّغَيُّرَ فَى مَحَلِّ الإِزَالَةِ لا يَمْنَعُ، أشْبَهَ ما لَوْ تَغَيَّرَ الماءُ علَى عُضْوِهِ بعَجِينٍ عليه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بِيُمْناه، ثم يَسْتَنْثِرَ بيُسْرَاه؛ لِمَا رُوِىَ عن عُثْمانَ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّه تَوَضَّأ، فَدَعَا بماءٍ فغَسَلَ يَدَيْه ثَلاثًا، ثم غَرَفَ بيَمِينِه، ثم رَفَعَها إلى فِيهِ، فمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ بكَفٍّ واحدةٍ، واسْتَنْثَرَ بيُسْراهُ، وفَعَل ذلك ثَلاثًا - ثم ذَكَر سائِرَ الوُضُوءِ - ثم قال: إن النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ لَنَا كما تَوَضَّأْتُ لَكُم، فمَن كان سائِلًا عَنْ وُضُوءِ رسولِ اللَّه ﷺ فهذا وُضُوؤُهُ (١٧). رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُور (١٨)، بإسنادِهِ. وعن عَلِىٍّ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّه أَدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى في الإِناءِ، فَمَلأَ كَفَّه فتَمَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ، ونَثَرَ بيدِه اليُسْرَى، فَفعَلَ ذلك ثَلاثًا، ثم قال: هذا وُضُوءُ نَبىِّ اللَّه ﷺ. رَوَاهُ أبُو بَكْر في "الشَّافِى"، والنَّسائِىُّ (١٩).