المغني لابن قدامة - ت التركي
ونحوِ ذلك من الطَّاعَاتِ المَحْضَةِ، ويَجْتَنِبُ ما لا يَعْنِيهِ من الأقْوالِ والأفْعالِ، ولا يُكْثِرُ الكلامَ؛ لأنَّ مَن كَثُرَ كَلَامُه كَثُرَ سَقَطُهُ. وفى الحَدِيثِ: "مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ" (٢). ويَجْتَنِبُ الجِدَالَ والمِرَاءَ، والسِّبَابَ والفُحْشَ؛ فإنَّ ذلك مَكْرُوهٌ فى غيرِ الاعْتِكافِ، ففيه أَوْلَى. ولا يَبْطُلُ الاعْتِكَافُ بِشىءٍ من ذلك؛ لأنَّه لمَّا لم يَبْطُلْ بِمُباحِ الكَلَامِ لم يَبْطُلْ بِمَحْظُورِهِ، وعَكْسُه الوَطْءُ. ولا بَأْسَ بِالكلامِ لِحَاجَتِه، ومُحَادَثَةِ غيرِه، فإنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَةَ النَّبِىِّ ﷺ قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا، فأَتَيْتُه أزُورُه لَيْلًا، فحَدَّثْتُه، ثمَّ قُمْتُ، فَانْقَلَبْتُ، فقَامَ معى لِيقْلِبَنى -وكان مَسْكَنُها فى دارِ أُسَامَةَ بن زيدٍ- فمَرَّ رَجُلانِ من الأَنْصارِ، فلما رَأَيَا النَّبِىَّ ﷺ أسْرَعَا، فقال النَّبِىُّ ﷺ: "عَلَى رِسْلِكُما، إنَّهَا صَفِيَّة بِنْتُ حُيَىٍّ". فقالا: سُبْحَانَ اللَّه يا رسولَ اللهِ! فقال: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّى خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُما شَرًّا". أو قال: "شَيْئًا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقال علىٌّ رَضِىَ اللَّه عنه: أَيُّمَا رَجُلٍ اعْتَكَفَ، فلا يُسَابَّ، ولا يَرْفُثْ فى الحَدِيثِ، ويَأْمُرُ أَهْلَهُ بالحاجَةِ -أى وهو يَمْشِى- ولا يَجْلِسْ عِنْدَهم. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ.
فصل:
فأمَّا إقْرَاءُ القُرْآنِ، وتَدْرِيسُ العِلْمِ ودَرْسُه (٤)، ومُناظَرَةُ الفُقَهَاءِ ومُجَالَسَتُهم، وكِتابَةُ الحَدِيثِ، ونحوُ ذلك ممَّا يَتَعَدَّى نَفْعُه، فأكْثَرُ أصْحابِنَا علَى أنَّه لا يُسْتَحَبُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال أبو الحسنِ الآمِدىُّ: فى