المغني لابن قدامة - ت التركي
بعدَ النِّيَّةِ، لتَشْمَلَ النِّيَّةُ جَمِيعَ واجِبَاتِها، وقبلَ أَفعالِ الطَّهارةِ، ليكونَ مُسَمِّيًا على جَمِيعِها، كما يُسَمِّى على الذَّبِيحةِ قبلَ (١٣) ذَبْحِها.
١٨ - مسألة؛ قال: (والمُبالَغَةُ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أن يَكُونَ صَائِمًا)
مَعْنَى المُبالَغَةِ في الاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَس إلَى أَقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا، وذلك سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ في الوُضُوءِ، إلا أن يكُونَ صائِمًا فلا يُسْتَحَبُّ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا. والأصلُ في ذلك ما رَوَى عاصِمُ بن لَقِيط بن صَبِرَةَ، عن أبيه، قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه، أخْبِرْنِى عن الوُضُوءِ. قال: "أَسْبِغ الوُضُوءَ، وخَلِّل بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا" رَوَاه أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه من أَعْضاءِ الطَّهارةِ، فاسْتُحِبَّت المُبَالَغَةُ فيه كَسائِرِ أَعْضائِها.
فصل:
المُبَالَغَةُ مُسْتَحَبَّةٌ في سائِرِ أَعْضاءِ الوُضُوءِ؛ لِقَوْله ﷺ: "أَسْبِغ الوُضُوءَ". والمُبالَغَةُ في المَضْمَضَةِ إدَارَةُ الماءِ في أَعْماقِ الفَمِ وأقَاصِيهِ وأشْدَاقِهِ، ولا يجعلْه وَجُورًا (٢) لم يَمُجَّه، وإن ابْتَلَعَهُ جازَ؛ لأن الغَسْلَ قد حَصَلَ. والمبالَغَةُ في سائِرِ الأَعْضَاءِ بالتَّخْلِيلِ، وبِتَتَبُّعِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ بالدَّلْكِ والعَرْكِ ومُجَاوَزَةِ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ. وقد رَوَى نُعَيْم بنُ عبد اللَّه (٣)، أنه رَأىَ أبا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْه حتى كادَ أن يَبْلُغَ المَنْكِبَيْن، ثم غَسَلَ رِجْلَيْه