Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ٤/ ٣٥٦

وإن كان يَسيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظَّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطر بكلِّ وَاصِلٍ منه، لكن عُفِىَ عن الرِّيقِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ منه، فما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ، وإن ألْقَاهُ مِن فيهِ، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشىءٍ من خَارِجٍ، فَابْتَلَعَ رِيقَه، فإن كان معه جُزْءٌ من المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا.

فصل:

ولا يُفْطِرُ بِالمَضْمَضَةِ، بغيرِ خِلافٍ، سَوَاءٌ كان في الطَّهارَةِ أو غيرِها، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ عمرَ سَأَلَهُ عن القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فقال النبيُّ ﷺ: " أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وأنْتَ صَائِمٌ؟ " قلت: لا بَأْسَ. قال: "فَمَهْ؟ " (٣٠). ولأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظَّاهِرِ، فلا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بالوَاصِلِ إليه، كالأنْفِ والعَيْنِ. وإن تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ في الطَّهَارَةِ، فسَبَقَ الماءُ إلى حَلْقِه من غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرَافٍ، فلا شىءَ عليه. وبه قال الأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، والشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: يُفْطِرُ، لأنَّه أوْصَلَ الماءَ إلى جَوْفِه ذَاكرًا لِصَوْمِه، فأفْطَرَ، كما لو تَعَمَّدَ شُرْبَهُ. ولَنا، أنَّه وَصَلَ إلى حَلْقِه من غيرِ إسْرَافٍ ولا قَصْدٍ، فأشْبَه ما لو طارَتْ ذُبَابَةٌ إلى حَلْقِه، وبهذا فارَقَ المُتَعَمِّدَ. فأمَّا إن أسْرَفَ فزَادَ على الثَّلَاثِ، أو بَالَغَ في الاسْتِنْشَاقِ، فقد فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَقِيطِ بن صَبِرَةَ: "وبَالِغْ فى الاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا" (٣١). حديثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه يَتَعَرَّضُ بذلك لإيصالِ الماءِ إلى حَلْقِه، فإن وَصَلَ إلى حَلْقِه. فقال أحمدُ: يُعْجِبُنِى أن يُعِيدَ الصَّوْمَ. وهل يُفْطِرُ بذلك؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى