المغني لابن قدامة - ت التركي
صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى". فقد نَبَّه النَّبِىُّ ﷺ على المَعْنَى الذى كَرِهَ لأجْلِه (٣٥) الصَّدَقَةَ بَجَمِيعِ مَالِه، وهو أن يَسْتَكِفَّ الناسَ، أى يَتَعَرَّض لهم لِلصَّدَقَةِ، أي يَأْخُذَها ببَطْنِ كَفِّه يقال: تَكَفَّفَ، واسْتَكَفَّ. إذا فَعَلَ ذلك (٣٦). ورَوَى النَّسَائِيُّ (٣٧)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْطَى رَجُلًا ثَوْبَيْنِ من الصَّدَقَةِ، ثم حَثَّ على الصَّدَقَةِ، فطَرَحَ الرَّجُلُ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَمْ تَرَوْا إلَى هذَا، دَخَلَ بهَيْئَةٍ بَذَّةٍ (٣٨) فأعْطَيْتُه ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا. فَطَرَحَ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ". وانْتَهَرَهُ. ولأنَّ الإِنسانَ إذا أخْرَجَ جَمِيعَ مالِه، لا يَأْمَنُ فِتْنَةَ الفَقْرِ، وشِدَّةَ نِزَاعِ النَّفْسِ إلى ما خَرَجَ منه، فيَنْدَمُ، فيَذْهَبُ مالُه ويَبْطُلُ أجْرُه، ويَصِيرُ كَلًّا على الناسِ. ويُكْرَهُ لمن لا صَبْرَ له على الإِضَاقَةِ أن يَنْقُصَ نَفْسَهُ من الكِفَايَةِ التَّامَّةِ، واللهُ أعلمُ.