المغني لابن قدامة - ت التركي
ولنا أنَّ النبيَّ ﷺ. فرَّقَ شَعَرَه بين أصحابِه، قال أَنَس: لَمَّا رَمَى النبيُّ ﷺ، ونَحَر نُسُكَهُ، ناوَل الحالِقَ شِقَّهُ الأيْمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعَا أبا طَلْحةَ الأنْصارِيَّ، فأعْطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَله الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقال: "احْلِقْ" (٧)، فحلَقَهُ، وأعْطاهُ أبا طَلْحة، فقال: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". روَاه مسلم، وأبو داود (٨). ورُوِىَ أن معاويةَ أوْصَى أن يُجْعَلَ نَصِيبُه (٩) منه في فِيهِ إذا مات، وكانت في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النبيِّ ﷺ، ولو كان نَجِسًا لَمَا ساغَ هذا، ولَمَا فَرَّقَهُ النبيُّ ﷺ، وقد عَلِمَ أنهم يأخذونَه يتَبَرَّكُونَ به، ويَحْمِلُونَه معهم تَبَرُّكًا به (١٠)، وما كان طاهِرًا مِن النبيِّ ﷺ كان طاهِرًا مِمَّن سِواهُ، كسائِره، ولأنه شَعَرٌ مُتَّصِلُهُ طاهِرٌ، فمُنْ
فَصِلُ
ه طاهِر، كشعرِ الحيواناتِ كلِّها، وكذلك نقولُ في أعْضاءِ الآدَمِىِّ، ولئن سَلَّمْنا نَجاستَها، فإنها تَنْجُسُ مِن سائِر الحيواناتِ بفَصْلِها في حياتِه، بخلافِ الشَّعَرِ.
فصل: وكلُّ حيوانٍ فشَعْرُه مثلُ بَقِيَّةِ أجْزائِه؛ ما كان طاهرًا فشَعْرُه طاهِر [حَيًّا ومَيِّتًا] (١١)، وما كان نَجِسًا فَشَعرُه كذلك، ولا فَرْقَ بين حالةِ الحياةِ وحالةِ الموت، إلَّا أن الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمشَقَّةِ الاحْترازِ منها؛ كالسِّنَّوْرِ، وما دونَها في الخِلْقةِ، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان:
أحدهما، أنها نَجسةٌ؛ لأنها كانت طاهرةً مع وجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعارِضٍ،