المغني لابن قدامة - ت التركي
فَيُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ الإِمامُ كامِلَ الصلاةِ. فإن قِيلَ: فقد صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ قاعِدًا بأصْحَابِه، ولم يَسْتَخْلِفْ. قُلْنا: صَلَّى قاعِدًا لِيُبَيِّنَ الجَوَازَ، واسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ قاعِدًا أَفْضَلُ من صَلَاةِ غيرِه قَائِمًا. فإنْ صَلَّى بهم قاعِدًا جازَ، ويُصَلُّونَ من وَرَائِه (١) جُلُوسًا، فَعَلَ ذلك أَرْبَعَةٌ من الصَّحَابَةِ، أُسَيْدُ بنُ حُضَيْر (٢)، وجابِر، وقَيْسُ بنُ قَهْدٍ (٣)، وأبو هُرَيْرَةَ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، وحَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ في إحْدَى رِوَايَتَيْهِ: لا تَصِحُّ صلاةُ القادِرِ على القِيَامِ خَلْفَ القَاعِدِ. وهو قولُ محمدِ بن الحسنِ؛ لأنَّ (٤) الشَّعْبِىَّ رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قال: "لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِى جَالِسًا" أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). ولأنَّ القِيَامَ رُكْنٌ، فلا يَصِحُّ ائْتِمامُ القادِرِ عليه بالعاجِزِ عنه كسَائِرِ الأرْكانِ. وقال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُصَلُّونَ خَلْفَه قِيَامًا؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ[اسْتَخْلَفَ أبا بكرٍ، ثم إنَّ النَّبِىَّ ﷺ] (٦) وَجَدَ في نَفْسِه خِفَّةً، فخَرَجَ بينَ رَجُلَيْنِ، فأجْلَسَاهُ إلى جَنْبِ أبي بكْرٍ، فجَعَلَ أبو بكرٍ يُصَلِّى وهو قائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبي بكرٍ، والنَّبِىُّ ﷺ قاعِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وهذا آخِرُ الأمْرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ، ولأنَّه رُكْنٌ قَدَرَ