رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب
كقوله ﷺ: "عليكم بِسُنَّتي" (١) وهذه الأحاديث كثيرة لا تُحْصَى تفيد القطع بهذا العموم، وقد ورد ما هو خاصّ بالسُّنة المستقلَّة، أو يكون على أقل تقدير دخولها فيه متبادرًا في النظر، وأولى من دُخُول غيرها، فمن ذلك قوله ﷺ: "لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ مُتَّكئًا على أرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِن أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْه فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا وَجَدْنا في كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" (٢).
وقوله ﷺ: "ألا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومثله مَعَه، ألا يُوشِكُ رجل شَبْعَانُ على أَرِيكَتِهِ يَقولُ: عليكم بهذا القُرْآنِ فما وَجَدْتُمْ فيه من حَلالٍ فأحلُّوهُ وما وجدتُمْ فيه من حَرَامٍ فَحرِّمُوه، وإنَّما حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ، كما حَرَّمَ الله، ألا يحل لكم الحِمَار الأَهْلي، ولا كلّ ذي نَابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعَاهد، إلا أن يَسْتَغْنِيَ عنها صاحِبُهَا، ومن نزَل بِقَوم فَعَلَيْهِم أَنْ يَقْرُوه، فإن لم يقروه فله أنْ يعقبهم بمثل قِرَاهُ" (٣).
ولا يخفى أن تحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ المذكورة في الحديث لَيْسَ في القرآن، فهو خاصّ بما نحن فيه، ولا يخفى أن الظاهر من قوله ﷺ: "ومثله مَعَهُ" ما كان مستقلًا عنه، وإن سلمنا شموله لغيره أيضًا، فلا ضير علينا؛ حيث إنه أثبت أن الجميع من عند الله، والحديث الأول يفيدنا أن كل ما لا يوجد في كتاب الله مما أمر به الرسول ﷺ أو نهى عنه فتركه مذموم مَنْهِيٌّ عنه، وذلك يستلزم الحُجِّية، والمتبادر من عدم الوجود ألا يكون مذكورًا في الكتاب لا إجمالًا، ولا تفصيلًا.