شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي
جعلته مبنياً من هذا، قالوا: فالواهب إذا كان زائد الغنى اتسع جوده كما أن الفعل قليل العطاء، وإلى هذا المعنى أومأ الشاعر بقوله:
ألم ترَ أنَّ المَرْءَ من سُوءِ حَالِهِ … يُلامُ عَلى معرُوفِه وَهُو مُحْسِن (١)
وإن جعلته من غني بمعنى أقام، فمعناه: أن الواهب زائدٌ في دوام هبته، ويدلُّها على الاستمرار من غير انقطاع.
وإن قلت: بناه مِنْ أغنى الرباعي، فمعناه: أكفى من كل كافٍ؛ ولك أن تنصب واهباً متفضلاً على الحال، وتقدر المعاني المتقدمة من الغنى والإقامة والكفاية في حال هبته وتفضله.
١١ - وخَيْرُ جَلِيسٍ لايُمَلُّ حَدِيثُهُ … وَتَرْدَادُه يَزْدَادُ فِيه تَجَمُّلا
كلُّ قول مكررٍ مملول إلا القرآن فإنه كلما كُرِّر حلا فهو خير جليس، و «لا يملُّ حديثه» في موضع الصفة للجليس، ولك أن تجعلها إضافةَ تخصيص لا تفضيل مع إثبات التفضيل في ذلك كله للقرآن فيكون «لا يمل حديثه» على هذا صفةً له.
في الحديث: «مثلُ صاحبِ القُرْآَنِ مَثَلُ جرابٍ مملوءٍ مِسْكَاً يَفوحُ به كلَّ مَكَانٍ» (٢)؛ فأي جليسٍ أفضل منه.
وعن عليٍ الأزدي قال: أردت الجهاد، فقال لي ابن عباس: ألا أدلك على ما هو خيرٌ لك من الجهاد؛ تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن وتُعلِّم فيه الفقه.
وفي الحديث: «يقولُ اللهُ تعالى: إِني أهمُّ بعذاب عبادي فأنظر إلى عمَّارِ المساجد، وجُلساءِ القرآنِ، وولدانِ الإسْلامِ فَيَسْكُنُ غَضَبي» (٣).